Our App on Google Play Youtube Twitter Home أبحث الرئيسية

تفسير الاصحاح الحادى عشر من سفر صموئيل الثانى للقس انطونيوس فكرى

سقوط داود

 حتى الآن رأينا داود المحب النقى الراعى الصالح الغيور على مجد الله، الذى قتل أسد ودب ثم جليات وواجه مقاومة شاول بقلب مملوء سماحة وحكمة ولم يتسرع ليملك ورأينا نبله مع مفيبوشث. رأيناه لا يعرف الشماتة مرتلاً المزامير.

لذلك كافأه الله على هذه الحياة المقدسة وإنتصر فى كل حروبه. وللأسف فهذه عادة الإنسان حينما يعطيه الله ينغمس فى ملذاته فينسى الجهاد فيسقط وحدث هذا مع أدم أولاً ومع شعب إسرائيل مراراً والآن مع داود الذى بعد أن أستقر ملكه سقط فى لحظة تهاون ليظهر الضعف البشرى فى حياة داود العظيم. وإنحدر من خطية إلى أخرى وإذا بالتأديبات تنهال عليه والألام تتوالى. والله يكشف لنا ضعفات كل إنسان

1- حتى لا نيأس إن نحن أخطأنا بل نتمثل بداود ونقدم توبة.
2- إعلان عن ضعف البشرية وإحتياجنا لمخلص.
3- معرفة أن كل خطية تحتاج إلى تأديب وأن علينا أن نقبل التأديب كأبناء.
4- هى جرس إنذار لكل مؤمن ليعرف أنه حتى وإن كان قائماً ليحذر أن لا يسقط ونحيا جميعاً فى حالة إستعداد وجهاد.
5- سقطات داود ملأتهُ أحزاناً مرة لكن بالتوبة تحولت لمجده، فصارت سيرته ومزامير توبته سر قيام لكثيرين حطمتهم الخطية وهوى بهم اليأس.
6- هى درس لكل إنسان ليعلم أنه بدون الله مهما كان قوياً لابد وأن يسقط.
7- إن سمعنا أن الأخرين سقطوا فى خطايا شنيعة علينا أن نشكر الله لأنه حفظنا فلم نسقط.

line

آية (1) :-
وكان عند تمام السنة في وقت خروج الملوك أن داود أرسل يواب وعبيده معه و جميع إسرائيل فاخربوا بني عمون وحاصروا ربة وأما داود فأقام في أورشليم.

عند تمام السنة: قيل فى (14:10) أن يوآب رجع عن بنى عمون وأتى إلى أورشليم وفى الصيف التالى حارب داود الأراميين (10: 15-19) والحرب المذكورة هنا فى هذه الأية كانت فى الصيف الذى يليه أى بعد (14:10) بسنتين.

ملحوظة :- أخبار هذه الحرب مع بنى عمون توقفت هنا لتدخل قصة سقوط داود وأمّا بقية القصة فنجدها فى (2مل12: 26-31).

فى وقت خروج الملوك: أى فى فصل الصيف الذى يخرج فيه الملوك للحرب فهذا هو الوقت المناسب.
فأخربوا بنى عمون: أى البلد كلها فالتجأوا إلى ربة مدينتهم المحصنة فحاصرها يوآب. فى الحرب الأولى أمام أبيشاى حينما ذهب يوآب ليحارب الأراميين إلتجأ بنى عمون داخل ربة المحصنة ولم يكن عدد رجال أبيشاى كافياً لحصار ربة. والآن هم مستعدون وطبعاً هدف الحرب منعهم من أن يهاجموا إسرائيل ثانية فلا يمثلوا خطراً على المملكة طالما نواياهم سيئة.

line

آية (2) :-
و كان في وقت المساء أن داود قام عن سريره و تمشى على سطح بيت الملك فرأى من على السطح امرأة تستحم و كانت المرأة جميلة المنظر جدا.

داود قام عن سريره وتمشى: يقول المثل العامى "اليد البطالة نجسة" وهذا ما حدث الآن فالجيش يحارب وداود فى قصره لا يحارب.

وكان قبل ذلك يجاهد فى صلواته ومزاميره ولكن لا جهاد فى الحرب ولا جهاد فى الصلاة فهو الآن يتمشى ويترك العنان لعينيه تتطلعان فيشتهى إمرأة أخيه.

فالخطوة الأولى فى السقوط هى التهاون والأسترخاء ولاحظ أن داود لم يسقط فى هذه الخطية وهو شاب يرعى الغنم ويصلى أو وهو مطروداً من أمام شاول أو وهو يحارب وهذه بركة التجارب والألام. أمّا الآن وهو مستقر بلا جهاد ها هو يسقط.

 وهناك من قال أن بثشبع قصدت هذا أن تجذب أنظار الملك. هى رأت أنه فخر لها أن تكون زوجة الملك فهى تعلم أن سطوح الملك يكشفها. على أى الأحوال لو كان داود على حالته الطبيعية وفى صلواته وجهاده ما كان قد سقط إلاّ أنه الآن فى حالة تراخى خلق فراغاً فى القلب والحواس وهذا الإنسان يطلب أن يشبع حواسه بالجمال الخارجى.

line

آية (3) :-
فأرسل داود و سال عن المرأة فقال واحد أليست هذه بثشبع بنت اليعام امرأة اوريا الحثي.

بثشبع بنت أليعام وهى بثشوع بنت عميئيل فى (1أى5:3). بثشبع هى بثشوع مع إختلاف النطق وأليعام (شعب إلهى) وعميئيل (إله شعبى) بنفس المعنى ويكون والد بثشبع له إسمين بنفس المعنى.

line

آية (4) :-
فأرسل داود رسلا وأخذها فدخلت إليه فاضطجع معها وهي مطهرة من طمثها ثم رجعت إلى بيتها.

مطهرة من طمثها: هو وقت مناسب للحمل. ولا نجد أنها أعترضت على داود بل هى دخلت عليه لعل داود لم يكن يتوقع فى نفسه أن ينحدر يوماً إلى هذا السقوط الشنيع لكن الخطية خاطئة جداً وكل قتلاها أقوياء وتعرف كيف تصطاد الجبابرة.

ولكن بدايتها تراخى فى الجهاد ثم نوم على سرير الكسل ثم مشى على السطوح عوضاً عن الصلاة لأجل نفسه ولأجل رجاله فى الحرب وما يضاعف خطية داود أى خطية الزنا:-

1- سنه الكبيرة فسنه الآن 50 سنة. بالإضافة إلى خبراته الروحية ومزاميره.
2- هو متزوج من كثيرات.
3- هو أخذ من الله كثيراً. وهو مسيح الرب ونبيه.
4- هو الملك الذى يحكم على الزناة بالقتل.
5- المرأة متزوجة.
6- زوجها فى الحرب التى لم يذهب إليها داود،
7- بل هو أحد أبطال داود. وهو غريب الجنس ومتهود.

 أوريا: أور يا: نور يهوة وهى حثى من الحثيين.

لقد شلت الشهوة كل تفكير جاد فكان للشهوة أنياب أفتك من أنياب الأسد والدب ولها قوة أكبر من جليات ولننظر أسباب أخرى للسقوط:

i- التهاون بالثعالب الصغيرة المفسدة للكروم. فهو ظن نفسه قوياً فلم يهرب من النظرة الأولى بل ترك العنان لشهوته. لذلك علينا أن نغلق أبواب حواسنا ونهرب من الشر ولا ندخل فى حوار مع الحية بل نرفضها ونرفض وسائلها (فلا نسقط مثل حواء).

ii- السبب الثانى هو عدم الشعور بالحضرة الإلهية. فيوسف كانت ظروفه أصعب كثيراً من داود ولكنه كان شاعراً بوجود الرب وهذا الشعور بالحضرة الإلهية يكون كنور يرشد صاحبه لذلك قيل هنا كان وقت المساء أية (2).

iii- وقت الجهاد والحرب أو الصلاة تحول إلى تمشية على السطوح. فيكون السبب الثالث هو طلب الراحة عوضاً عن الجهاد. فداود إعتاد التنعم والترف ونسى الجهاد.

line

آية (5) :-
وحبلت المرأة فأرسلت وأخبرت داود و قالت أنى حبلى

بحسب الشريعة فهى مستوجبة الموت فأرسلت للملك ليدبر لها وإلاّ تشهر به. كم تذل الخطية أحسن الناس وتفقدهم سمعتهم.

line

الآيات (6-13) :-
فأرسل داود إلى يواب يقول أرسل إلى اوريا الحثي فأرسل يواب اوريا إلى داود. فأتى اوريا إليه فسال داود عن سلامة يواب وسلامة الشعب ونجاح الحرب.

 وقال داود لاوريا انزل إلى بيتك و اغسل رجليك فخرج اوريا من بيت الملك وخرجت وراءه حصة من عند الملك. ونام اوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده ولم ينزل الى بيته. فاخبروا داود قائلين لم ينزل اوريا إلى بيته فقال داود لاوريا أما جئت من السفر فلماذا لم تنزل الى بيتك.

فقال اوريا لداود أن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام وسيدي يواب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء وأنا أتى إلى بيتي لأكل واشرب واضطجع مع امرأتي وحياتك وحياة نفسك لا افعل هذا الأمر.

 فقال داود لاوريا أقم هنا اليوم أيضا وغدا أطلقك فأقام اوريا في أورشليم ذلك اليوم وغده. ودعاه داود فأكل أمامه وشرب وأسكره وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده وإلى بيته لم ينزل.


أراد داود أن يخفى الجريمة بأن يطلب أوريا لينزل إلى بيته ويضطجع مع زوجته فينسب الحمل لأوريا وكم كانت عظيمة إجابة أوريا ونفسية أوريا بل كانت إجابته فيها توبيخ لداود الذى لم يذهب إلى الحرب وإكتفى بالتنعم فى قصره.

 وأوريا حسب أن دخوله على إمرأته هو إهانة لله المرموز لهُ بالتابوت وللشعب وللملك ولقائده وإخوته فى الميدان. فوقت الحرب هو وقت بذل وليس وقت تمتع شخصى. وداد بعد رفض أوريا أسكرهُ ليذهب لبيته ومع هذا رَفَضَ. وفى (8) حصة: أى من طعام الملك.

الآيات (14-21) :-
وفي الصباح كتب داود مكتوبا إلى يواب وأرسله بيد اوريا. وكتب في المكتوب يقول اجعلوا اوريا في وجه الحرب الشديدة و ارجعوا من ورائه فيضرب ويموت. وكان في محاصرة يواب المدينة انه جعل اوريا في الموضع الذي علم أن رجال الباس فيه.

 فخرج رجال المدينة وحاربوا يواب فسقط بعض الشعب من عبيد داود ومات اوريا الحثي أيضا. فأرسل يواب واخبر داود بجميع أمور الحرب. وأوصى الرسول قائلا عندما تفرغ من الكلام مع الملك عن جميع أمور الحرب. فان اشتعل غضب الملك وقال لك لماذا دنوتم من المدينة للقتال أما علمتم انهم يرمون من على السور.

من قتل ابيمالك بن يربوشث ألم ترمه امرأة بقطعة رحى من على السور فمات في تاباص لماذا دنوتم من السور فقل قد مات عبدك اوريا الحثي أيضا.


الخطايا تلد خطايا. فحينما ضاق الأمر بداود فكر فى قتل أوريا بمكيدة. وهنا نجد أن داود إستهان بالعدل والأمانة بل يسلم قائده الأمين ومعهُ نفوساً بريئة أخرى للموت ليستر فضيحته. ولكن ليس خفى وإلاّ ويُعلن وما تقولونه فى المضاجع ينادون به على السطوح. وربما لم يُدرك يوآب فى البداية السر وراء طلب داود قتل أوريا الحثى ولكنه نفذ أمر الملك.

 ولكنه فهم فيما بعد حين وجد داود قد تزوج أرملته. بل أن يوآب نفذ الأمر ببراعة ليتصيد زلة على داود فلا يعود يزله لقتله أبنير. فكل خاطئ يتمنى أن يكون الكل خطاة مثله. فيوآب قطعاً قد إشترك مع داود فى قتل أوريا لأنه فرح بهذا التخطيط من داود.

 ونجد قول يوآب فى (21) فقل قد مات عبدك أوريا أيضاً: أنه يريد أن يصل لداود أن يوآب فهِمَ أن قتل أوريا هو لمصلحة الملك وسيعطيه السرور. بل أن يوآب غالباً أراد نشر الفضيحة بأن أرسل هذا الخبر مع الرسل لإذلال داود.

ولقد شعر داود فعلاً بنوع من الإذلال أمام يوآب فنجد داود لا يتجاسر أن يكلم يوآب وقد حاول عزله من منصبه فلم يقدر فترك الأمر لسليمان بل أوصاه بقتله (1مل2: 5،6). وكم تذل الخطية الإنسان. ولاحظ أن القتل أعقب الزنا فإن القساوة تلتحم مع النجاسة فالإنسان الساقط تحت ثقل النجاسة تجده عنيفاً وقاسياً فى أعماقه.

والسؤال كيف لم يتحرك قلب داود لكل هذا، قلبه الذى سبق وضربه على قطع جزء من جبة شاول؟ الإجابة أن الخطية تقسى القلب وتعمى العينين. والعجيب أن ضمير داود ظل مستريحاً عاماً كاملاً.

line

آية (27) :-
ولما مضت المناحة أرسل داود وضمها إلى بيته وصارت له امرأة وولدت له ابنا و أما الأمر الذي فعله داود فقبح في عيني الرب.

فقبح فى عينى الرب: الله يحب داود ولكنه لا يتستر على جريمته فالله ليس عنده محاباة.