تَحدَّثنا فى مقالةٍ سابقةٍ عن السلطان السعيد (676 - 678هـ) (1277 -1279م) ابنِ السُّلطانِ الظاهر بيبرس، الذى تولَّى حُكمَ مِصرَ اسميًّا فى حياةِ أبيه، ثم بُويعَ سُلطانًا بعدَ وفاتِه، وهو فى نحو التاسعةِ عشرةِ من عمرِه.. غير
أنَّ حُكمَه القصيرَ اتَّسمَ بغيابِ الخبرةِ السياسيةِ، وسوءِ إدارةِ شؤونِ البلادِ؛ ما أدخلَ البلاد فى دوامةِ من الاضطراباتِ والصراعاتِ الداخليةِ. فمنذُ بدايةِ حُكمِه، اتَّجهَ السلطان السعيد إلى إقصاءِ كِبارِ
الأمراءِ، والاعتمادِ على المماليكِ الأحدَاثِ والمقرَّبين منه.. الأمرُ الذى أثارَ سُخْطَ الأمراءِ، وأشعلَ الخِلافاتِ بين الطرفين، ولم يتمكَّن الملك السعيد من احتواءِ هذه التوتراتِ، بل زادَت سياساتُه من حِدَّةِ الأزمةِ.
وتفاقَمَتْ الأزمةُ حين أمرَ السلطانُ عَددًا من الأُمراءَ المعارضين له بغزو بلادِ الأرمن، ثم ألقى القبضَ عليهم عند عودتِهم، وصادرَ أملاكَهم ووَزَّعها على خاصَّتِه. أثارَ هذا التصرُّفُ غضبَ الأمراء، وفَرُّوا إلى نواحى دمشق، حيثُ
بدأوا التحركَ لإسقاطِه. حاولَ الملكُ السعيد لاحقًا استمالةَ الأمراءِ الفارّين، عارِضًا تحسينَ الأوضاعِ السياسيةِ، إلا أنَّهم اشترطوا إِبعادَ المماليك الأحداثِ عن شؤونِ الحكمِ، وهو شرطٌ رفضَه السلطانُ، لتتفاقم القطيعةُ بين الطرفين.
قرَّرَ الأمراءُ المعارضون العودةَ إلى مصرَ، والعملَ على خَلْعِ الملك السعيد من الحُكمِ. ويَذكرُ المؤرخُ شهاب الدين النويرى فى كتابه نهاية الإرب فى فنون الأدب: ولمَّا
رأى السُّلطانُ تَوَجُّهَ الأمراءِ إلى الدِّيارِ المصريةِ وانفرادَهم عنه، جمعَ مَنْ كانَ بدمشقَ من بقايا العَسكرِ المصرى والعساكر الشاميةِ، واستدعى العُرْبان
وأنفقَ الأموالَ فيهم بدمشق، وسارَ إلى الديار المصرية.. ولم يتمكَّنْ السلطان السعيد من الوصولِ إلى القلعةِ إلا بصعوبةٍ شديدةٍ؛ بسببِ إحكامِ الأمراءِ السيطرةَ على مداخلِها.
وما إنْ عَلِمَ الأمراءُ بوجودِ السُّلطانِ داخلَ القلعةِ، حتى فرضوا حِصارًا استمرَّ أسبوعًا كاملًا. ويشير النويرى إلى أنَّ السلطان حاولَ التفاوضَ معهم، عارِضًا أن تكون بلادُ الشام بأكملِها لهم، لكنهم رفضوا، واشترطوا عليه خَلْعَ نفسَه من الحكمِ.
أمام هذا الضغطِ، اضطرَ الملك السعيد إلى التنازلِ عن السلطنةِ فى عام 678هـ (1279م)، وطلبَ أن يُمنحَ إمارةَ الكرك، فاستجابوا إلى طلبِه.. وهكذا، غادرَ مصرَ بعدَ أن حَكَمَ البلادَ مدةَ سنتين وشهرين وبضعة أيام.
وعقب خلعِه، تولَّى الحُكمَ أخوه العادل، ويذكر ابن تغرى بردى فى كتابه النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة: ولمّا حضرَ الملكُ السعيدُ إلى عندِ قلاوون، أحضرَ أعيانَ القُضاةِ والأمراءِ والمُفتين،
وخلعوا الملك السعيد هذا من السلطنةِ، وسلطنوا مكانَه أخاه بدر الدين سلامش، ولقَّبوه بالملكِ العادل سلامش، وعُمرُه يومئذ سبعُ سنين، وجعلوا أتابكه الأمير سيف الدين قلاوون الألفى الصَّالحى النَّجمى.
غادرَ الملك السعيد قلعةَ الجبل مُتَّجِهًا إلى الكرك، بينما تَسلَّمَ أخوه نجم الدين إمارةَ الشوبك. ولم يمكثْ الملك السعيد فى الكرك سوى ستةِ أشهرٍ وخمسةٍ وعشرين يومًا حتى تُوفِّى هناك. ويَذكرُ ابن تغرى بردى أن وفاتَه نُسِبَتْ إلى الملك المنصور قلاوون، وقِيلَ إنه دَسَّ له السُّمَّ خوفًا من تزايدِ نفوذه وكثرةِ استخدامِه المماليكَ وغيرَهم فى الكرك.
هو بدرُ الدين سلامش بنُ السلطان بيبرس، تولَّى الحُكمَ وهو لم يتخطَّ السابعةَ من عُمرِه؛ ليكونَ سادسَ سلاطينَ المماليك فى مصر، ولُقِّبَ بـالملكِ العادل، وأصبح قلاوون أتابكًا له.. غير أنَّ سُلطَتَه
كانت شكليةً بالكاملِ، فقد أصبحَ قلاوون الأتابك المُتَصَرِّفَ الحقيقى فى شؤونِ الحُكْمِ للبلادِ، كما يؤكدُ ابنُ تغرى بردى بقولِه: وصارَ الأميرُ قلاوون هو المُتَصَرِّفُ فى الممالكِ والعساكر والخزائن.
استغلَّ قلاوون صِغَرَ سِنِّ السُّلطانِ، فبدأَ بإعادةِ ترتيبِ أمورِ البلادِ لصالحِه، فقامَ بِعَزلِ نوابِ الشام الموالين لبيتِ بيبرس، وعَيَّنَ بدلًا منهم مَنْ يثقُ
بولائهم له، كما سَجَنَ عددًا من الأمراءِ المَشكوكِ فى ولائهم له، واستمالَ المماليكَ الصالحيةَ إلى جانبه، وهكذا أقصى المنافسين له على السلطة.. وما إنْ استقرَّتْ
الأمورُ له، حتى أَقدَمَ على خلعِ السُّلطان سلامش بعدَ حُكمٍ استمرَّ قَرَابةَ ثلاثة أشهرٍ، واعتلى السلطان قلاوون عَرْشَ مِصرَ؛ لتبدأَ مرحلةٌ جديدةٌ فى تاريخِ الدولةِ المملوكيةِ.



