القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

إذا خرج ريح من البطن؟! بقلم حمدى رزق

تخيل العالم مضطرب، الاضطراب العظيم، وتكتلات تتشكل، وصراعات تتجدد، وحروب تخلف مجاعات ومَآسِى، والفيلة الهائجة تدهس فى طريقها القانون الدولى، وتطيح نواميسه السياسية، وتقلق ثوابته المعتمدة من أيام عصبة الأمم، البشرية تعيش واحدة من أسوأ كوابيسها فى عصرها الحديث.

إذا خرج ريح من البطن؟! بقلم حمدى رزق

الثورة الرقمية متفجرة، والثورة المعلوماتية متدفقة، والعالم بات غرفة شات على شاشة تليفون محمول، يحمل أسئلة كونية تلف الكرة الأرضية حول مستقبل البشرية، وهناك سؤال عويص يطل من كوة مخفية، سؤال يؤرق بعض الطبيين، ويطير صوابهم، وينكد معاشهم، ويقلق ضميرهم الحى: هل تفسد الصلاة إذا خرج ريح أثناء الصلاة؟

تخيل هذا السؤال ذى الرائحة النفاذة يشغل مساحة معتبرة فى فضاء المصريين الإلكترونى، وينتخبه محرك البحث الشهير (جوجل) عن منصات مصرية معتمدة ليصدره للعالم وكأنه سؤال كونى يشغل بال الملايين فى المحروسة بإذن ربها.

لفتنى السؤال العويص، عن أسئلة كونية أخرى مثارة فى منتدى دافوس حيث تجتمع خلاصة العقول لبحث مصير العالم، وترسم خارطة كونية وفق نظرية، تجزئة.. المجزأ، وتقسيم.. المقسّم.. وتفتيت المفتت!.

جد بت ليلتى مؤرقا، والريح تعصف ببطنى، على قلق وكأنه الريح تحتى، لفتنى السؤال، اختطفنى من أمام شاشة التلفاز وهو يبث على الهواء مباشرة لغو سيد العالم الجديد، وهو ينهر القادة، ويزجر الأشقياء، ويقسم العالم ما بين أشرار وأخيار، ويختطف جرينلاند من سكانها الأصليين لنفسه ولأولاده من بعده..

سؤال عميق يصدر عن نفس لوامة، تحار فى إجابته العقول الذكية، وإجابته بالذكاء الاصطناعى، نعم، خروج الريح أثناء الصلاة يبطلها وينقض الوضوء، ويجب على المصلّى قطع الصلاة، وإعادة الوضوء، ثم استئناف الصلاة من جديد. هذا الحكم ينطبق فى حال تيقن خروج الريح، أما الشك (بمجرد الشعور بحركة دون سماع صوت أو شم رائحة) فلا يبطل الصلاة.

لا مُشاحة فى السؤال، لا مجال للمناقشة أو المخاصمة فى الإجابة المتفق عليها بين أهل العلم، والعلماء الثقاة كما أتخيل مجتمعون على تحليل وضعية خروج الريح من البطن، ويعملون فى المسألة حاسة الشم، ويجتهدون ويتيقنون من خروج الريح، فإذا خرجت عصفت.

أتخيل طيب الذكر أبو الطيب المتنبى بين ظهرانينا يسخر منا ويضحك مقهقها، أَغايَةُ الدينِ أَن تُحفوا شَوارِبَكُم.. يا أُمَّةً ضَحِكَت مِن جَهلِها الأُمَمُ، لو أبوالطيب حيا لكان مصلوبا على حوائط الفيس بوك، ويسلخون وجهه.. ولربما ساقه المحتسبون الجدد إلى محاكم التفتيش بتهمة الازدراء وفق الفقرة (واو) من المادة (98) من قانون العقوبات المصرى!.

ربنا يرحمه ويبشبش الطوبة اللى تحت دماغه، الدكتور الفيلسوف مراد وهبة، رحل فى هدوء قبل أن يقرأ سؤال الساعة، هل تفسد الصلاة إذا خرج ريح أثناء الصلاة؟.

أتخيله يزم شفتيه، منقبض الوجه، يعاف الطعام والشراب، وقد ألقى قلمه، ومزق ورقه، وأطاح كتب الفلسفة من على المنضدة، وقرر فى لحظة يأس اعتزال العالم، ولاعترف اعتراف كبيرنا الذى علمنا الشعر، أحمد عبد المعطى حجازى: هذا الزحامُ لا أحد!

هكذا تبحر عقولنا بعيدًا، ننشغل بسفاسف الأمور عن معاليها، وآفة حارتنا (الإلحاف) بمعنى الإلحاح، وتترجم لغويا الملازمة، والإصرار الشديد فى طلب السؤال، جد يصل حد الاستجداء، استجداء المشايخ فى سفاسف الأمور!.

حمدي رزق - المصرى اليوم
24 يناير 2026 |