القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

العقلُ... والثوب! .. بقلم فاطمة ناعوت

حين تستعيرُ جاكيت صديقك، أو تستعيرين فستانَ صديقتك لحضور مناسبة، لن يبرحَكَِ القلقُ من انكشاف الأمر؛ رغم أن الموضوع بسيط ولطيف ولا غضاضة فيه. فالصديقُ لوقت الضيق. السؤال: لماذا لا

العقلُ... والثوب! .. بقلم فاطمة ناعوت

ينتابُنا قلقٌ حين نستعيرُ عقولَ الغير لتفكِّرَ لنا؟! رغم أن لا مقارنةَ بين العقل والثوب! الثوبُ زينةٌ، بينما العقلُ هو أغلى وأسمى هدايا الله لنا. جوهرةُ الترقى التى ميزنا بها تعالى

عن سائر مخلوقاته. الأداةُ الذهبيةُ التى بها يُختبَر الإنسانُ، ويختارُ، ويتحمّل مسؤولية اختياره. الثوبُ يُقاس على الجسد، لكن العقل يُقاس على الضمير. والرأيُ الذى لا يقوم على معرفةٍ

ووعى يشبه ثوبًا حسيرًا لا يسترُ ولا يُدفئ. العقلُ الأصيلُ يَقلقُ ويُقلِقُ، ينصهرُ فى بوتقه التفكير ويُبحرُ فى بحار المعرفة، حتى يصفو من ترهّلات التقليد، ليصل إلى مرافئ الحقِّ، رشيقًا.

تاريخُ الفكر الإنسانى لم يعرف الوثبات المعرفية الكبرى، بلا قلق. لهذا لم يكن سقراط فيلسوفَ إجابات، بل رجلَ أسئلة. كان يقف فى ساحات أثينا ليُربك البديهى، ويُزعج محاوريه بالأسئلة، لا لأنه

يجهل؛ بل لرفضه أن يطمئن إلى ما لم يُفحَص. وحين تجرّع السُّمَّ لحظةَ إعدامه، لم يُعاقَب لخطأ، بل لأنه فكّر بصوت عالٍ. فالمجتمع المُقلِّد لا يغفر لمن يرفع المرآةَ ليكشف هشاشته. كذلك كان

تلميذُه أفلاطون؛ ورث القلقَ المعرفيّ، فلم يكتب تعاليمَ ووعظًا، بل محاوراتٍ تتصادمُ فيها الآراءُ وتتعارك. فالحقيقةُ لا تُسلِّمُ نفسَها لمن ينشدُ الراحة، بل لمن يحتمل القلق. والحقُّ ليس

ملكًا لمن يصل أولًا، بل لمن يحتمل وعثاءَ الطريق. فى أسطورة الكهف، جعل المُصفّدين وجوهُهم إلى الحائط لا يرون الحقيقة، بل ظلالَها، ثم يتوارثُ الأبناءُ تلك الظلالَ باعتبارها الحقيقةَ

المطلقة، دون تأمل. فإذا ما كسّر أحدُهم أصفادَه وخرج من الكهف إلى حيث الشمس والشجر والنهر، وعاد ليخبرهم بما رأى، سخروا منه ثم قتلوه. الظلال الزائفة على حائط الكهف كانت رمزًا للعقل المُعار،

والنورُ خارج الكهف لم يره إلا العقلُ المغامر. كذلك جعل أرسطو الدهشة بدايةَ المعرفة. لكن العقل الكسول يريد الإجابات السهلة، لا مسارات الانصهار والتأمل. يريد استعارة الثوب الجاهز، لا غزله خيطًا خيطًا ونسجه وتفصيله.

وفى تراثنا الإسلامى، كان العقلُ هو الطريق إلى الله. لهذا تساءل القرآنُ فى عديد المواضع: أفلا تعقلون؟، أفلا يتفكرون؟، وهذا تحميلٌ أخلاقى لمسؤولية التفكير. ولنا فى حكاية أشهر

خصمين فى التاريخ الإسلامى أنصعُ دليل على حتمية القلق والتأمل طمعًا فى الوصول إلى الحقيقة. الإمام أبو حامد الغزالى، الذى شكَّ فى الحواس والعقل والموروث، خاض رحلة البحث ولم يصل

إلى مرفئ اليقين إلا بعد فقدِه. فالدين دون تأمل محضُ عادةٍ، لا إيمان. وخصمه الفكرى: الفيلسوف ابن رشد الذى رأى أن تعطيل العقل خيانةٌ للنص، فدافع عن الفلسفة وقدرتها على استكشاف

الحقائق ونسْج التوافق بين العقل والدين. ورغم خلافهما التاريخى، اتفقا على أن العقلَ أداةُ التأمل والتفكُّر لا التقليد الأعمى، وأن الوصول إلى اليقين حتمًا يمرّ عبر بوابة التأمل

والنقد، والتثبت الشخصى. وكانت مباراةً لا تهافُتَ فيها، بين عقول حرّة ترفض التقليد والتدجين. ودفع ابن رشد فاتورة التفرّد فكُفِّر ونُفِيَ؛ لأن السؤال الصعبَ لا تحتمله العقولُ الكسولة.

اليوم، لم نعد نُكفّر الفلاسفةَ وحسب، بل صِرنا نزدريهم قبل أن نسمعهم. نجهلهم ونتجاهلهم ونُطلق سهامَنا صوب صدورهم. نُقصى السؤالَ، ونكافئ الترديد. نستسهل الرأى الجاهز لأنه يريحنا من

عناء التفكير، ويأسرنا داخل سرب محميّ بالإجماع، على عكس ما أوصانا اللهُ. ويفسِّر علمُ النفس هذا الميلَ للتقليد والببغائية وكراهة التفكير. فالعقل البشرى يبحث عن الأمان، والفكرة

الجاهزة تمنحه الشعور بالأمان والانتماء. بينما التفكير الحرّ يضعه فى عزلة. لكن هذه العزلة هى ثمن النضج. فى هذا يقول كانط: القصورُ العقلى هو عجزُ الإنسان عن استخدام عقله دون توجيه من الآخرين.

مخيفٌ ما نرى على وسائل التواصل الاجتماعى من سخرية وازدراء للمفكرين والفلاسفة، بدل احترامهم وتأمل فكرهم علّ به ما يضىء العقل! ترى شخصًا يخطئ فى الإملاء، يسخر من فيلسوف عملاق

احترمه العالمُ وأجلّه! هل قرأ له حرفًا؟! كيف نُدين دون أن نسمع ونقرأ؟! كيف سمحنا للرأى الُمعلّب أن ينتشر، والفكرة المتأنية أن تُستبعد؟! لماذا صار العقلُ عبئًا، والتقليدُ

المستعارُ مريحًا؟! التاريخُ لم يتقدّم بالعقول المريحة المطمئنة، بل بالعقول القلقة. والتفكيرُ ليس ترفًا ثقافيًا، بل مسؤولية أخلاقية. لأن من لا يفكر بنفسه، يُفكَّر له،

فيلبسُ ثوبًا لا يسترُ عواره. متى ندرك أننا لسنا بحاجة إلى إجابات، بل إلى جسارة السؤال؟ إلى عقول تحتمل القلق، ولا تهرب منه؟ فالعقل الذى يحتمل التفكير، هو وحده القادر على أن يحتمل الحرية.

فاطمة ناعوت - المصرى اليوم
22 يناير 2026 |