تطبيق الأقباط اليوم علي جوجل بلاى أبحث
تطبيق الأقباط اليوم علي جوجل بلاى تابعنا على الفيسبوك تابعنا علي تويتر تابعنا علي إنستجرام إتصل بنا أبحث
الفجر
| 31 مارس 2017
عادل حمودة

كان الكسل الذى يفرضه المصريون على أشغالهم بحجة الصوم يتسلل إلى الصحف ويجبرها على الاستسلام لمتابعة مسلسلات رمضان وزيادة جرعات الدين على صفحاتها.

ومن جانبها كانت الأحداث السياسية تغفو وتخفت هى الأخرى لتكمل منظومة الاسترخاء الذى يسود الحياة فى مصر طوال الشهر الكريم.

لكن.. فى منتصف رمضان عام 2002 جاءت برقية صحفية من لندن أفزعتنى وأيقظت كل الاهتمام فى عروقى وإن بقى غيرى فى سباته العميق.

مؤرخ بريطانى يهودى يدعى أهارون بيرجمان يكشف فى كتاب جديد بعنوان تاريخ إسرائيل عن جاسوس مصرى نجح الموساد فى تجنيده يوصف بـالعريس أو الصهر وهو زوج ابنة جمال عبدالناصر ومساعد أنور السادات.

لم يذكر الكتاب الاسم صراحة ولكن كان واضحا أن المقصود هو أشرف مروان.

طلبت محمد حسنين هيكل تليفونيا وسألته عن الكتاب: هل وصل إليه؟ فأجاب: إنه سيكون عنده خلال أيام ولكنه لم يتردد فى إبلاغى بصحة ما جاء فيه وراح يسرد من الوقائع ما يؤيد وجهة نظره وإن رجانى ألا أنسب إليه شيئا مما سمعت فهو لديه من الحسابات والحساسيات ما يمنعه مؤقتا من الخوض فى هذا المستنقع.

وفيما بعد انتظر هيكل حتى وفاة مروان وسقوط مبارك ليفسح للقصة فصلا فى كتابه مبارك وزمانه من المنصة إلى الميدان نشر فيه أحاديث جرت بينه وبين مروان دون توثيق اشتهر به.

لكننى لم انتظر الموت أو السقوط لمعرفة الحقيقة بسؤال مصدرها المباشر.. أشرف مروان نفسه.

اتصلت به تليفونيا لأسأله عمَّا نشر فى كتاب بيرجمان فأجاب بغطرسة غير متوقعة:

هل قرأت الكتاب؟

أجبت بالنفى.

أضاف: اقرأه وكلمنى.

وشعرت بالتحدى فطلبت من مراسلة الأهرام العربى فى لندن خلود الجمل أن تشترى لى نسخة من الكتاب وترسلها عبر الفاكس مهما كانت التكلفة ولم تمر ساعتان حتى كانت النسخة على مكتبى وعلى الفور كلفت ثلاثة مترجمين يعملون فى صحيفة صوت الأمة التى كنت أرأس تحريرها فى ذلك الوقت بترجمة ما يقرب من 160 صفحة قبل أن ينطلق مدفع الإفطار وقد كان.

وعندما عاودت الاتصال بمروان بدا هذه المرة أكثر تواضعا ووافق أن نلتقى معا فى التاسعة من مساء اليوم التالى فى بهو فندق سميراميس لكن قبل الموعد بساعات طلب تغيير المكان ليصبح ميريديان هليوبوليس ثم عاد وطلب أن يكون فى مكتبه القريب من بيت مبارك.

كان كل ما أريد أن يعترف بأنه الشخص الذى قصده بيرجمان فى كتابه حتى لا أتعرض إلى قضية جنائية يصعب النجاة منها فالتهمة هذه المرة وصف شخصية قوية من بيت عبد الناصر بالخيانة دون دليل متين ندافع به عن أنفسنا أمام محكمة الجنايات.

وراح مروان يراوغ للخروج من المأزق الذى وجد نفسه فيه.. ولم يتردد فى إغرائى بوثائق تحت يده لم تنشر من قبل عن رؤية أمريكية لحرب أكتوبر.. وحاول إقناعى بأن تهمة العمالة تهمة فشنك طالت شخصيات كثيرة لضرب دورها الوطنى وذكر اسما شهيرا فى عالم الصحافة والسياسة باعتباره صديقى.. لكننى.. لم أتزحزح عن موقفى طلبا للحقيقة فيما نسب إليه فلم يجد مفرا من القول: إن ما جاء فى كتاب بيرجمان رواية بوليسية ساذجة.. ووافق على التوقيع على هذه الجملة التى أتاحت لى نشر القصة دون مخاوف قضائية.

وما أن صدرت صوت الأمة حتى نقلت وكالات الأنباء ما نشر فيها ووصلت جملة مروان إلى بيرجمان فغضب منها وقال فى حوار مع خلود الجمل: إنه لم يذكر اسم مروان عميلا للموساد لاعتبارات الصداقة التى بينهما ولكنه هو الجاسوس المقصود بل أكثر من ذلك ستكشف إسرائيل عن وثائق تؤكد ذلك فى أكتوبر القادم بمناسبة مرور 30 سنة على حرب 1973.

وفيما بعد نشر بيرجمان قصة صوت الأمة مع مروان فى كتاب صغير أصدره عام 2016 بعنوان: الجاسوس الذى هوى عرضته مى سمير على صفحات الفجر.

تحولت القصة التى كنت أول من حققها فى مصر من رواية مجهولة إلى فضيحة مؤلمة لثلاثة نظم سياسية.. نظام عبد الناصر بالنسب.. ونظام السادات بالتواطؤ.. ونظام مبارك بالتجاهل.

أنكر أمين هويدى الذى أشرف على المخابرات العامة بعد هزيمة يونيو 1967 أن يكون للجهاز دور فى دفع مروان للعمل مع الموساد ليكون جزءًا من خطة خداع إسرائيل قبل عبور القناة، كما أشيع دفاعا عنه فلم يمكث مروان سوى شهور قليلة فى الجهاز قبل أن ينقل إلى سكرتارية عبدالناصر للمعلومات تحت رئاسة سامى شرف.

وسمعت من سامى شرف جملة حاسمة: لو أن عبد الناصر علم بما فعل مروان لأطلق عليه الرصاص.

وحاولت منى عبد الناصر إقناعه بالقول: أن والدها كان على علم بذهاب زوجها مروان للعمل مع المخابرات الإسرائيلية فى لندن لكنه رفض فأتت برد فعل غير لائق.

والحقيقة أن عبد الناصر لم يكن مرتاحا لزواج ابنته منى من مروان لكنه استسلم كأب لرغبتها فتزوجته فى يوليو 1966 بمهر ألف جنيه دون مؤخر صداق وقدم لها مروان خاتما ماسيا ورثته أمه عن جدته وشهد على الزواج عبدالحكيم عامر وزكريا محيى الدين وعقد القران المأذون الذى عقد قران عبد الناصر نفسه فى عام 1944 وتطوعت أم كلثوم بإحياء الحفل بعد أن غنى عبدالحليم حافظ أغنية سواح التى كانت تستهوى عبد الناصر كثيرا.

وهربا من حياة التقشف والمراقبة التى فرضها عبدالناصر على عائلته قرر مروان السفر إلى لندن فى عام 1968 للحصول على الماجستير فى الكيمياء التى درسها فى كلية العلوم فلم يكن راتبه فى سكرتارية المعلومات ليزيد عن 70 جنيها وكان راتب منى فى مؤسسة الأهرام فى حدود 35 جنيها.

فى لندن تفتحت شهية مروان ومنى للحياة المترفة التى يحلمان بها وشوهد مروان يقامر فى نادى بلاى بوى أضخم كازينو فى المدينة وتولى الشيخ عبد الله المبارك وزوجته سعاد الصباح سداد ديونه وكانا على علاقة طيبة بمصر التى عاشا فيها وتقربا من رئيسها بل إنهما دعيا لحضور زفاف منى ومروان.

لم يتردد عبد الناصر بعد أن علم بما فعل مروان فى إعادته إلى القاهرة على أول طائرة بل وأصر على طلاق ابنته منه ولكنه مرة أخرى استسلم لعواطف الأب فاستمر الزواج وإن أصر عبد الناصر على بقائهما فى القاهرة على ألا يسافر مروان إلى لندن إلا لتأدية الامتحانات.

قبيل رحيل عبد الناصر أقدم مروان وهو بعمر السادسة والعشرين على الاتصال بالمخابرات الإسرائيلية وهو ما أثار عواصف من علامات الاستفهام عن مبررات خيانته لبلده.

كيف لشاب موهوب ينتمى لعائلة مرموقة وقريب من السلطة العليا وصهر زعيم العالم العربى وينتظره مستقبل واعد أن يفعل بنفسه وبكامل إرادته ما فعل؟

حتى وقت قريب كان يعتقد أن هناك خمسة أسباب رئيسية للخيانة: الأيديولوجيا والمال والغرور والابتزاز والإغواء الجنسى ولكن دراسات حديثة أضافت دوافع أخرى مثل الميل للمخاطرة والنرجسية وحب الذات والشعور بعدم التقدير.

بات مؤكدًا أن المال أول دافع لتورط مروان مع الموساد فقد كان مروان تواقا للحياة المترفة التى قضاها فى لندن ورغم أن انضمامه للعائلة الرئاسية جعله قريبا من الأثرياء إلا أن طبيعة عبدالناصر المتواضعة والكارهة للثراء حرمت مروان من أن يصبح ثريا وبدا واضحا أنه إذا ما أراد تحقيق أحلامه فإن عليه البحث عن مصدر دخل سهل ويصعب اكتشافه.

وشجعه طموح زوجته لاقتناء الثياب والبيوت والحلى المميزة على ذلك، إلى حد أن الموساد اشترى لها خاتمًا ماسيا وضعه بين يدى زوجها ليضمن ثقتها بعد أن ساورها شك فى خيانتها جنسيا.

أما الدافع الثانى فكان الغرور إنه أفضل تفسير للسبب الذى جعل مروان يختار الموساد من بين جميع أجهزة الاستخبارات الأخرى فبزواجه من ابنة الرئيس وانضمامه لدائرة السلطة فى مصر حقق هذا الشاب الوسيم والموهوب نجاحا يفوق أحلام أى شاب مصرى آخر فى عمره.. ولكن طموحات مروان كانت أبعد وثقته اللامحدودة فى نفسه جعلته يتوق إلى السلطة والنفوذ اللذين شعر أنه يستحقهما على أنه فشل فى الحصول عليهما فى محيطه.. مرتب زهيد.. ومكانة غير ملحوظة.. بجانب شعوره بأنه مشبوه.. وإدراكه بأن عبدالناصر لا يثق فيه.. وربما نجح فى إبعاده عن العائلة بتطليق ابنته منه.

بالنسبة لمروان كان هذا الخطر المحدق مدعاة للخزى أيضا.. ليس فقط لأنه لا يمتلك سببا للاعتقاد بأن الأمور يمكن أن تتحسن، بل لأن حالة الغرور المتقدمة لديه اصطدمت بانعدام الثقة التى تلقاها والتى خلقت كما هو واضح حالة ماسة للحصول على ثمن من العالم الذى حوله.. العالم الذى يقف عائقا فى طريقه.. عليه أن يريهم من هو أشرف مروان.

ولكن ما هى أسهل طريقة كى يريهم؟.. إنها بمنح ولائه لألد أعداء عبد الناصر.. العدو الذى الحق بمصر قبل ثلاث سنوات الهزيمة إذلالا وإلحاق العار بالرئيس وإيذائه بطريقة لم يسبق أن فعلها أحد من قبل.. وسواء كان مروان يعى ذلك أم لا فإن خيانته لعبد الناصر قدمت له حلا مناسبا لمشاكله المالية وأزماته النفسية.

على أن قضية مروان تخطت الانتقام من عبدالناصر فنرجسيته كانت تعبر عن نفسها من خلال توقه اللامتناهى للمجد والسلطة والنفوذ ومن خلال إصراره على أن يعرف الآخرون قيمته ويتبعون مشورته وقد لمس مشغلوه فى الموساد هذه السمات فيه وعرفوا كيف يستغلونها ونجحوا فى إقناعه بأن الإسرائيليين وحدهم هم من يقدرون قيمته الحقيقية.

وفى النهاية يجب ألا ننسى أن مروان لم يكن شخصا عاديا.. أحد ضباط الموساد الذين كانوا على معرفة وثيقة بحالته وصفه بأنه معقد جدا ولديه متاعب نفسية خطيرة ويحتاج لشحنة من المحفزات ترضى سلوكه.. وهذا غالبا ما يقود الناس لخوض المخاطر سواء على المستوى الجسدى أو العاطفى.. بعض الأشخاص يلجأ لتسلق الجبال أو القفز بالمظلات.. لكن.. مروان لم تكن لديه ميول رياضية.. وهكذا انغمس فى القمار.. ولاحقا فى صفقات مشبوهة.. وأحيانا فى القيام بمجازفات لا مبرر لها للقاء ضباط من الموساد.. وعلى هذا الأساس سيكون من المناسب الافتراض بمعزل عن أناه المتضخمة وعلاقته المحبطة مع عبد الناصر وحاجته للمال بأن فعل الخيانة بحد ذاته قد أعطى مروان إحساسا بالمغامرة كانت نفسه الجامحة فى أمس الحاجة لها.

هذا التفسير لخيانة مروان وضعته مجموعات من الخبراء النفسيين فى الموساد ونشره يورى بار جوزيف فى كتابه الملاك الجاسوس المصرى الذى أنقذ إسرائيل.

والمؤلف كان ضابطا احتياطيا فى الجيش الإسرائيلى عام 1998 وكلف من المخابرات العسكرية بإعداد دراسة عن فشل الأجهزة الأمنية فى التنبؤ بموعد حرب أكتوبر مما أتاح له امتلاك مئات من التقارير السرية من بينها تقارير كان يرسل بها منذ عام 1970 عميل خفى للموساد اسمه الكودى كوتل احتاج حفظها إلى أربعة صناديق بخلاف تقارير متابعته وتقييمه راح يقرأها بعناية قبل أن يسجل مقابلاته مع تسفى زامير مدير الموساد ( 1964 1974 ) وأرييا شاليف مدير الأبحاث فى الاستخبارات العسكرية (1967 1974) ومائير مائير رئيس الوحدة المختصة بمصر (1969 1972) الذى تعامل مع أشرف مروان ممثلا عن المخابرات العسكرية والتقاه أكثر من مرة فى لندن وعواصم أخرى.

والكتاب صدر باللغة العبرية وفشلنا فى الحصول على نسخة منه لوضعها بين يدى مترجمين محترفين عنها فى الفجر استمرارا لمتابعة قضية أشرف مروان التى بدأناها منذ نحو 15 سنة، وشارك فى كشف تفاصيلها معى رشا يسرى والحسين محمد خبيرا اللغة العبرية.

وأخيرا وضعت يدى على نسخة من الكتاب بعد أن ترجم إلى لغات أخرى، فالتهمت صفحاته وإن شعرت بأن كل حرف فيه مسمار يؤلم القلب ويدميه.

وكنت قد استرحت لما قاله لى عبد السلام المحجوب ونحن بين يدى الله على متن رحلة طيران من القاهرة إلى أبو ظبى، عندما اعترف لى لأول مرة أنه كان ضابط المخابرات المصرى الذى كان يقف وراء تدريب وتشغيل أشرف مروان عند دفعه لخداع الإسرائيليين حين أبلغهم أن الحرب ستقوم فى السادسة مساء وقامت فى الثانية ظهرا، وكان السادات على حد قول المحجوب يحتاج للساعات الست ما بين بدء الهجوم وتعبئة الاحتياطى الإسرائيلى لضمان نجاح العبور.

لكن شهادة المحجوب هى الشهادة الوحيدة التى تبرئ مروان وتثبت أنه لم يكن جاسوسا خالصا وإنما كان عميلا مزدوجا.

وأبدى المحجوب استعداده لمناظرة بينه وبين ضابط المخابرات الإسرائيلى الذى تولى تشغيل مروان وذكر أن اسمه هو رافى إيتان ولكن ما جاء فى كتاب الملاك من وقائع وأحداث يعطى فرصة للمحجوب بالرد عليها لتكون المواجهة مع الموساد على الصفحات وليس وجها لوجه.

سنبدأ بعرض أهم ما نشر فى الكتاب وسنرحب بشدة بكل الآراء التى تنسفه، كما رحبنا من قبل بشهادة وطنية مروان التى منحها له المحجوب.