Our App on Google Play Youtube Twitter Home أبحث الرئيسية

تفسير الاصحاح التاسع عشر من سفر الخروج للقس انطونيوس فكرى

شريعة سيناء

لم يكن ممكناً للخارج من أرض العبودية، السالك في طريق البرية، أن يبلغ أرض الموعد وأن يستقر في أورشليم دون استلامه الشريعة الإلهية أو الوصية (مز19:119). ولنقل أن الله أراد أن يفيض من نعمه على شعبه ولكن هناك شروط حتى يحدث هذا وهذه الشروط هي أن يلتزموا بالوصية والشريعة. وما هي هذه الوصية والشريعة إلا أنها كلمة الله، والمسيح هو كلمة الله، فكيف نفهم هذا؟ أن الوصية تحمل في داخلها السيد المسيح، من يدخل إلى أعماقها ويعيشها بالروح يلتقي بالكلمة الإلهي نفسه. لذلك تحدث مزمور (119) عن الشريعة الإلهية كسند للمرتل في غربته فهي سر فرحه وسط ألام البرية (آيات16،47،103) وسر تسبيحه (54) وسر غناه الداخلي (72) وقائدة للنفس (11،61،92) وسر حياته (25) وسر الاستنارة (105،135).

line

الآيات (1،2): "في الشهر الثالث بعد خروج بني إسرائيل من ارض مصر في ذلك اليوم جاءوا إلى برية سيناء. ارتحلوا من رفيديم وجاءوا إلى برية سيناء فنزلوا في البرية هناك نزل إسرائيل مقابل الجبل."

جاءوا إلى برية سيناء= استقر الشعب هنا من الشهر الثالث للخروج وحتى العشرين من الشهر الثاني للسنة الثانية من الخروج (عد11:10) أي ما يقرب من سنة كاملة حدثت فيها أحداث هامة شملت باقي الخروج وسفر اللاويين والعشرة إصحاحات الأولى من سفر العدد. وهنا في برية سيناء استلموا الوصايا وأقاموا خيمة الاجتماع. وكونه يحدد أن بدء استلام الشريعة هو الشهر الثالث ورقم (3) هو رقم القيامة فهذا يشير لأن الوصية هي سر قيامة لنا في الأمجاد الإلهية.

line

آية (3): "وأما موسى فصعد إلى الله فناداه الرب من الجبل قائلاً هكذا تقول لبيت يعقوب وتخبر بني إسرائيل."

تقول لبيت يعقوب وتخبر بني إسرائيل= بيت يعقوب تشير لشعب اليهود وأمنا بني إسرائيل فتشير للكنيسة فإسرائيل هو اسم يعقوب بعد أن أخذ نعمة من الله بل اسمه هو عطية ونعمة من الله حصل عليه بعد صراع مع ملاك الرب. وهذه الوصايا معطاة لكلا الشعبين لليهود وللكنيسة حالياً جسد المسيح.

line

آية (4): "انتم رأيتم ما صنعت بالمصريين وأنا حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إلىّ."

حملتكم على أجنحة النسور وجئت بكم إلىّ= النسر يطير عالياً ويحمل صغاره على جناحيه ليحميهم من أي خطر ويطير بسرعة وحين يتعبون يستقرون عليه. وهذا ما عمله الله مع شعبه. فهو أخذ شعبه عالياً (للسماويات) وهو حملنا وحمل شعبه وحفظهم من أي خطر وطار بهم بسرعة (خرج بهم من مصر بسرعة) وهو يعلمهم الطيران (علمهم الجهاد والحرب) ولكنه هو راحتهم. وقوله جئت بكم إلىّ ليختبروا أحشاء محبته ويتعرفوا على أبوته.

line

الآيات (5،6): "فالآن أن سمعتم لصوتي وحفظتم عهدي تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب فان لي كل الأرض. وانتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة هذه هي الكلمات التي تكلم بها بني إسرائيل."

هذه هي غاية الشريعة تكونون لي خاصة من بين جميع الشعوب، وأنتم تكونون لي مملكة كهنة وأمة مقدسة. مع أن الله له كل الأرض لكنه يريد أن نكون خاصته، هو إله كل الأرض ولكنه يهوه الرب لخاصته، لنا دالة النبوة، هو يحبنا وهو كل شئ لنا ونحن نحبه ونخضع له. ونكون أمة مقدسة تحمل طبيعته كقدوس. هو إله كل الأرض يهتم بالكل ولكن شعبه هو الابن البكر (وحلت الكنيسة روحياً مكانهم).

line

آية (8): "فأجاب جميع الشعب معا وقالوا كل ما تكلم به الرب نفعل فرد موسى كلام الشعب إلى الرب."

الله لا يلزمنا بالعهد ما لم نعلن قبولنا له أولاً. ولكن الشعب للأسف قبلوا العهد بالكلام ولم ينفذوه عملياً، فهم كسروا الوصية وحنثوا بالعهد. وكان الأفضل أن يقولوا " ليعيننا الرب حتى نفعل" بدلاً من أن يقولوا "كل ما تكلم به الرب نفعل" وظل شعب الله غير قادر أن يلتزم بالوصية حتى جاء المسيح المخلص الذي وحده يقدر أن يتمم مشيئة الرب ووصيته في كمالها، وفيه نصير نحن أيضاً كاملين غير كاسرين للناموس فرد موسى كلام الشعب إلى الرب= لا لأن الرب لم يعرف، لكن ليتسلم موسى مزيد من التوجيهات.

line

آية (9): "فقال الرب لموسى ها أنا آت إليك في ظلام السحاب لكي يسمع الشعب حينما أتكلم معك فيؤمنوا بك أيضاً إلى الأبد واخبر موسى الرب بكلام الشعب."

ها أنا آت إليك في ظلام السحاب= وقارن مع (آية16) فهذا حدث بالفعل. فهناك أمران يحيطان بالرب هما السحاب والضباب (الظلام) فالسحاب يعلن مجد الله (خر34:40 + عد25:11 + 1مل10:8 + حز24:1 + أش1:19 + مت5:17 + مت30:24 + 1تس7:4) والسحاب يشير لقديسي الله (أش1:19 + عب1:12) إذ هم باشتياقاتهم السماوية وحياتهم السماوية ارتفعوا عن الأرضيات ومجدوا الله في حياتهم (لذلك يشبهون بالسحاب) وفي (أش1:19) فالسحابة السريعة التي أتى بها الرب إلى مصر هي العذراء مريم. أما الضباب فلأن هناك أسرار تحيط بالله فالشعب غير قادر على التعرف على الأسرار أما موسى فكان وحده يقدر أن يفهم لذلك يقول الكتاب "جعل الظلمة حوله والسحاب والضباب أيضاً لحماية الشعب حتى يحجبوا عن الشعب نور الله ومجده اللذان لن يحتملهما الشعب بحالته. نحن لا نستطيع أن ننظر لنور الشمس دون أن يكون هناك ساتر يحمي عيوننا.

ولماذا تكلم الله مع موسى أمام الشعب؟ فيؤمنوا بك أيضاً إلى الأبد بالإضافة إلى:

1. سيعرفوا أن موسى لا يتكلم من عندياته بل أن الله يكلمه وهو الذي أعطاه الناموس.

2. إذا كان الله أعطى الناموس فسيخافوا أن يكسروا وصاياه.

3. سيستمعوا لكلام موسى ويوقروه وهذا ما حدث فعلاً حتى اليوم.

4. سيعرفوا أنه لا أحد يستطيع أن يقترب إلى الله المخوف إلا عن طريق وسيط في العهد القديم كان الوسيط هو موسى وفي العهد الجديد الوسيط هو المسيح (عب18:12-24).

line

الآيات (10،11): "فقال الرب لموسى اذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغداً وليغسلوا ثيابهم. ويكونوا مستعدين لليوم الثالث لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب على جبل سيناء."

قدسهم اليوم وغداً. لأنه في اليوم الثالث ينزل الرب أمام عيون جميع الشعب مرة أخرى نرى أن الله سيتراءى لهم في اليوم الثالث أي ما كان لأحد أن ينتفع بالوصية إن لم يتعرف على إمكانية تنفيذها خلال المسيح القائم من الأموات والواهب الطبيعة الجديدة القادرة على تنفيذ الوصية الإلهية. وقوله "ينزل الرب" أي يتجلى مجده أمام الشعب وتكرار رقم (3) يشير للتأكيدات المستمرة لقبول قوة القيامة فينا.

والتقديس الجسدي هنا يرمز للتقديس الروحي. وليغسلوا ثيابهم= هي استعدادات خارجية وداخلية ليقابلوا الرب. خارجية بغسل الثياب وداخلية بعزل أي شر من داخلهم. فخلال الفضيلة يدخل الإنسان إلى الله أما خلال الرذيلة فيخرج من حضرة الله كما حدث مع قايين. وغسل الثياب يشير للمعمودية والتوبة التي هي معمودية ثانية.

line

آية (12): "وتقيم للشعب حدوداً من كل ناحية قائلاً احترزوا من أن تصعدوا إلى الجبل أو تمسوا طرفه كل من يمس الجبل يقتل قتلاً."

هم لم يحتملوا وجه موسى فبالتأكيد لن يحتملوا مجد الله دون ضباب يحميهم ويبقى على حياتهم، لأن الإنسان مازال تحت الغضب الإلهي ولأن الإنسان كان مازال بخطاياه لم ينقيه دم المسيح منعوا من الاقتراب بل كانوا يقتلون من يقترب. أما في العهد الجديد جاء المسيح وأكل وشرب مع الخطاة وجلس في وسطهم. في العهد القديم حدثت أصوات رعود وبروق حتى إرتعد الشعب بل حتى موسى قال أنا مرتعب ومرتعد (عب21:12) لكن في العهد الجديد جاء المسيح وجلس مع الخطاة على الجبل. في العهد القديم حتى وإن نزل الرب وتراءى للشعب كان الشعب كمرفوضين إذا اقتربوا يقتلوا، أما في العهد الجديد فصرنا مقبولين في المسيح المحبوب (أف5:1-7).

line

آية (13): "لا تمسه يد بل يرجم رجماً أو يرمى رمياً بهيمة كان أم إنساناً لا يعيش أما عند صوت البوق فهم يصعدون إلى الجبل."

وإن مس أحد الجبل يرمي بسهم أو يرجم حتى لا تمسه يد. فهو بلمسه الجبل قد تقدس فيمتنع على أي إنسان أن يتلامس معه. وقوله بهيمة كان أو إنساناً لا يعيش= فالبهيمة تشير للإنسان الشهواني والإنسان يشير للعقلاني الذي يريد أن يعرف الله بعقله ويخضعه لمنطق البشر، كليهما لن يستطيعا أن يقتربا من الله. والإنسان المشغولة حواسه بالأمور المادية كالنظر والسمع وبالتالي فكره مشغول بهما (إنسان) أو هو مشغول بحواسه في الأمور الشهوانية (بهيمة) لن يستطيع أن يرتفع على جبل المعرفة ليرى الله لذلك يطلب بولس الرسول منا أن نستأسر كل فكر إلى طاعة المسيح (2كو5:10) وقطعاً قوله كل فكر تشمل العواطف والأفكار حتى نستطيع أن نصعد على جبل معرفة الله مع موسى.

عند صوت البوق فهم يصعدون على الجبل= لم يكن كل واحد مسموح له أن يصعد إلى الجبل بل أشخاص معينين هم المسموح لهم (خر1:24،2،9،10) ولماذا استخدم صوت البوق؟ فالبوق صوته يبعث في الإنسان اليقظة والرهبة أكثر من أي صوت آخر أو آلة أخرى (1تس16:4 + رؤ8) وكانت هذه الطريقة مستخدمة إذ كانوا لا يزالون أطفالاً والبوق هو صوت إنذار (وكانت نبوات الأنبياء تشبه ببوق هوشع 1:8). فيكون المعنى أن من يستجيب لإنذارات الله هو يصعد على الجبل.

line

آية (15): "وقال للشعب كونوا مستعدين لليوم الثالث لا تقربوا امرأة."

لا تقربوا امرأة= ليس لأن العلاقات الزوجية تحمل شيئاً من الدنس، وإنما من أجل أن تتكرس كل الطاقات والعواطف والأفكار في إنتظار لقاء الرب. وفي هذا يقول المسيح من أحب أباً أو أماً. لا يستحقني. ولذلك وضعت الكنيسة على أولادها أن يمتنعوا عن فراش الزوجية ليلة تناولهم "الكلمة الإلهية".

line

آية (16): "[3]وحدث في اليوم الثالث لما كان الصباح انه صارت رعود وبروق وسحاب ثقيل على الجبل وصوت بوق شديد جداً فارتعد كل الشعب الذي في المحلة."

قارن مع العهد الجديد إذ كان المسيح يتكلم بصوت هادئ وديع ليجذب الكل إليه في العهد القديم قُدِّم الناموس لأشرار ليرهبهم حتى يخافوا أن يخالفوه وفي العهد الجديد يحدثنا كأبناء ناضجين يريدنا أصدقاء وأحباء له. في العهد القديم عاملهم كعبيد أما في العهد الجديد فكأبناء. في العهد القديم كان يستحيل أن توجد شركة بين نار الله والخطاة ولكن بتجسد المسيح صارت هذه الشركة لكل من يتواضع ويتوب.

line
آية (18): "وكان جبل سيناء كله يدخن من اجل أن الرب نزل عليه بالنار وصعد دخانه كدخان الأتون وارتجف كل الجبل جداً."

الرب نزل عليه بالنار= فإلهنا نار آكلة (مز3:79 + مز4:104 + عب29:12).

line

الآيات (20-25): "ونزل الرب على جبل سيناء إلى رأس الجبل ودعا الله موسى إلى رأس الجبل فصعد موسى. فقال الرب لموسى انحدر حذر الشعب لئلا يقتحموا إلى الرب لينظروا فيسقط منهم كثيرون. وليتقدس أيضاً الكهنة الذين يقتربون إلى الرب لئلا يبطش بهم الرب. فقال موسى للرب لا يقدر الشعب أن يصعد إلى جبل سيناء لأنك أنت حذرتنا قائلاً أقم حدوداً للجبل وقدسه. فقال له الرب اذهب انحدر ثم اصعد أنت وهرون معك وأما الكهنة والشعب فلا يقتحموا ليصعدوا إلى الرب لئلا يبطش بهم. فانحدر موسى إلى الشعب وقال لهم."

الله في محبته يدعو موسى حتى لا يخاف أن يصعد ثم يطلب إليه أن ينزل ثانية لينبه الشعب فالله خاف على شعبه لئلا يقتربوا بسبب حب إستطلاعهم واقتحامهم المقدسات الإلهية المهوبة. ولم يصعد بعد ذلك سوى موسى وهرون. موسى ممثلاً للكلمة الإلهية وهرون كممثل لكهنوت السيد المسيح. فالمسيح وحده الكلمة الإلهي رئيس كهنتنا يدخل إلى المقدسات الإلهية وبدونه نهلك. ولاحظ أن موسى يقول للرب أن الشعب يعرف هذه الوصية والرب يكرر إذهب وإنحدر لتحذير الشعب ثانية وهذا يظهر مدى محبة الله لشعبه وحرصه على حياتهم. وليتقدس أيضاً الكهنة= كان الكهنوت اللاوي لم يتأسس بعد، والكهنة هنا هم رؤساء البيوت الذين يقدمون ذبائح عن عائلاتهم.

line
المراجع:
[3] فائدة هذه الأمور هي إعداد القلب بالخشوع لكي يروا الله، وهذا ما حدث مع إيليا أيضاً.