القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

سلفانا عاطف ليست قضية فردية… حين تُستغل الطفولة لتهديد سلام المجتمع

ليست قضية الطفلة القاصر سلفانا عاطف فانوس مجرد واقعة أسرية عابرة، بل تمثل إنذارًا حقيقيًا لما يمكن أن يحدث عندما تتقاطع هشاشة الطفولة مع الاستغلال، ويتحول طفل فاقد للإدراك الكامل إلى أداة في يد أطراف تسعى لإثارة الفتنة وزعزعة السلم المجتمعي.

سلفانا عاطف ليست قضية فردية… حين تُستغل الطفولة لتهديد سلام المجتمع

طفولة في مرمى الاستغلال

سلفانا، المولودة في مارس 2008، لم تكمل عامها الثامن عشر، وتخضع قانونيًا لقانون الطفل، كما أنها تعاني وفق تقارير رسمية من قصور ذهني وبطء تعلم. هذه المعطيات وحدها كافية لوضعها تحت أقصى درجات الحماية القانونية والاجتماعية، لا أن تُترك لتواجه مصيرًا بالغ الخطورة خارج نطاق أسرتها أو مؤسسات الرعاية.

بداية الأزمة كانت بخلافات أسرية دفعت الطفلة لمغادرة منزلها، وهو سيناريو يتكرر مع كثير من الأطفال في هذا العمر، لكن الخطر الحقيقي بدأ حين لم تُسلَّم لأسرتها، ولم تُودَع دار رعاية، بل تُركت مع أشخاص غرباء، في مخالفة صريحة للقانون، وفتح الباب واسعًا أمام استغلالها.

من ضحية إلى أداة

الأخطر في القضية لم يكن فقط إبعاد الطفلة عن أسرتها، بل استغلالها إعلاميًا ونفسيًا، عبر نشر مقاطع فيديو ظهرت فيها وهي تردد عبارات تحريضية وكلمات كراهية، وُصفت بأنها ازدراء وتحريض ضد الآخر، في مشاهد كشفت بوضوح وجود تلقين مباشر، لا وعي حقيقي ولا إدراك لمعاني ما يُقال.

إن استخدام طفل قاصر، يعاني من إعاقة ذهنية حسب تقارير طبية تملكها الاسرة، في بث محتوى تحريضي، لا يُعد فقط جريمة أخلاقية، بل جريمة قانونية مكتملة الأركان، تمس أمن المجتمع قبل أن تمس الطفلة نفسها، لأن خطاب الكراهية لا يولد من فراغ، بل يُصنع أحيانًا على أكتاف الأضعف.

فيديوهات تهدد السلم المجتمعي

ما جرى من تداول واسع لتلك الفيديوهات على مواقع التواصل الاجتماعي تسبب في حالة غضب وحزن مجتمعي، ليس فقط تعاطفًا مع الطفلة، بل خوفًا من أن تتحول براءة الطفولة إلى وقود لصراعات دينية واجتماعية لا يتحملها مجتمع يسعى للاستقرار.

إن استغلال الأطفال تحت أي ذريعة، خصوصًا الدينية، لا يعكس الدين الحقيقي، بل يشوه قيم التعايش ويهدد السلم المجتمعي. الأديان والقيم الروحية أعلى من أي خلافات، ولا يجوز أن نسمح لأحد بإشعال الطائفية أو تحويل الأطفال إلى أدوات صراع.

قرار النيابة خطوة في الاتجاه الصحيح

جاء قرار النيابة بإيداع الطفلة دار رعاية تابعة لوزارة التضامن الاجتماعي، مع السماح لأسرتها برؤيتها والمتابعة الطبية والكنسية، ليُعيد الأمور إلى مسارها القانوني الصحيح. فهذا الإجراء لا يحمي الطفلة فقط، بل يبعث برسالة واضحة أن الدولة تقف ضد أي محاولة لاستغلال القُصّر، أيا كان الغطاء المستخدم.

دور الأسرة في الاحتواء والتوعية

الأسرة هي خط الدفاع الأول لحماية الأطفال، فهي مصدر الدفء النفسي والأمان، ومكانهم الطبيعي لتلقي التربية والتوجيه. ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الأطفال أكثر عرضة للتأثر والخطر، ما يجعل الوعي الأسري

والتحذير المستمر من مخاطر الاستخدام الخاطئ للتكنولوجيا ضرورة ملحة. الاستثمار في التربية الإيجابية، والحرص على دفء الأسرة، والاهتمام بمراقبة المحتوى الذي يطلع عليه الأطفال، ليس رفاهية، بل حماية حقيقية لهم وللمجتمع.

حماية الطفل حماية للمجتمع

إن قضية سلفانا تؤكد حقيقة جوهرية: حماية الطفولة ليست شأنًا أسريًا فقط، بل مسؤولية وطنية. فالطفل الذي يُستغل اليوم في فيديو تحريضي، قد يكون غدًا مشروع أزمة مجتمعية أكبر إذا تُرك دون حماية أو احتواء.

كما أن استغلال الدين أو الاختلافات العقائدية في قضايا تخص أطفالًا قُصّر، فاقدين للإدراك الكامل، يُعد خطرًا حقيقيًا على السلام المجتمعي، ويقوض قيم التعايش، ويحوّل الأطفال إلى أدوات صراع لا يدركون أبعاده.

فقضية سلفانا ليست قضية فرد، بل اختبار لضمير المجتمع وقدرته على حماية أضعف أفراده. الأسرة والمجتمع معًا مسؤولان عن تربية الأطفال وتأمين سلامتهم النفسية والجسدية، وحمايتهم من الاستغلال الإعلامي أو

الطائفي. الرسالة الأهم التي يجب أن تخرج منها هي أن الطفولة خط أحمر، وأن أي مساس بها، أو توظيفها في الكراهية والتحريض، هو اعتداء على المجتمع كله، يستوجب المحاسبة الصارمة، والتصدي القانوني، والوعي المجتمعي المستمر.

الحذر من استغلال الدين والتحريض المجتمعي

قضية سلفانا ليست مجرد اختبار لحماية الأطفال، بل تنبيه للمجتمع بأسره للحذر من استغلال الدين، لا سيما من بعض التيارات التي تحاول اللعب على هذا الأمر، خاصة في ظل تصاعد خطاب الكراهية. أغلب هذه القضايا في جوهرها تعكس مشكلات مجتمعية وليس اختلافات دينية، لكن هذه التيارات تحوّلها إلى "انتصار ديني" على حساب الأطفال والضحايا، حتى لو كانت الطفلة نفسها هاربة من واقع مرير.

لذلك، علينا الوقوف بحذر، ومراقبة هذه المحاولات، ووضع مرصد لمتابعتها والحد من تأثيرها. حماية مجتمعنا من الانزلاق إلى خطاب تحريضي أو طائفي ضرورة قصوى، خصوصًا في ظل ما يحدث حولنا من دول انقسمت وتعرضت لأزمات بسبب استغلال الدين في السياسة والتحريض المجتمعي. حماية الطفولة، دعم الأسرة، وتعزيز قيم التعايش، هي الضمانة الحقيقية لسلامة المجتمع واستقراره

نادر شكري - أقباط متحدون
01 فبراير 2026 |