شهد تمثيل الأقباط فى البرلمان المصرى تحولات كثيرة على مدار العقود السبعة الماضية، ففى البداية كان حضورهم محدوداً، ولكنه توسّع تدريجياً، خصوصاً خلال السنوات الأخيرة، من خلال نصوص دستورية هدفت إلى تحقيق
التوازن تحت قبة مجلسى النواب والشيوخ، كما أسهمت فى تعزيز مشاركة مختلف فئات المجتمع المصرى فى صنع القرار، وترسيخ مبدأ التمييز الإيجابى، مما أتاح حضوراً غير مسبوق للأقباط داخل البرلمان وعزّز مفهوم المواطنة.
وشهدت مشاركة الأقباط فى البرلمان خلال العقد الماضى نسباً متفاوتة، حيث سجل عام 1942 أعلى نسبة بلغت نحو 10.2%، وهى الدورة التى فاز فيها حزب الوفد بالأغلبية، وكان معظم النواب الأقباط من صفوفه، بينما سجل عام 1950 أدنى نسبة تمثيل بواقع 3%. وبلغ متوسط مشاركة المسيحيين خلال السنوات التالية فى تلك المرحلة تقريبا 8%.
وشكلت انتخابات 1957 نقطة فاصلة فى هذا الشأن، إذ خلا البرلمان لأول مرة من أى تمثيل مسيحى، مما دفع المشرعين إلى استحداث آلية التعيين الرئاسى بعد إدخال نص دستورى يسمح لرئيس الجمهورية
بتعيين عدد من الأعضاء لضمان تمثيل المسيحيين، وخلال السنوات التالية ظل الحضور القبطى عبر الانتخابات محدوداً، ففى انتخابات 1995 ترشح 57 قبطياً دون أن ينجح أى منهم، بينما شهدت انتخابات سنة
2000 نجاح ثلاثة فقط، كما بلغ عدد المرشحين المسيحيين فى انتخابات سنة 2005 نحو 81 مرشحاً بنسبة 1.5% من إجمالى المرشحين، وهى نسبة أقل من النسبة السكانية للأقباط التى كانت تتراوح بين 6% و10% فى ذلك الوقت.
الحسيني: سأدعم التشريعات التي تسهّل مشاركة المغتربين في الحياة السياسية والاقتصادية
وأما بعد عام 2011 فلم يكن تمثيل الأقباط وصل بعد إلى الصورة الأفضل، حيث إنه فى عام 2012، دخل البرلمان 11 نائباً قبطياً، منهم 6 بالانتخاب و5 بالتعيين، وبدأت مشاركة الأقباط فى التحسّن منذ انتخابات 2015، حيث شهدت دخول 39 نائباً قبطياً إلى
مجلس النواب، منهم 24 عبر القوائم و12 بالنظام الفردى، بالإضافة إلى 3 تم تعيينهم من قبل رئيس الجمهورية، فيما سجل الدكتور سمير غطاس خلال هذه الدورة اسمه كأول قبطى يفوز من الجولة الأولى فى الانتخابات دون خوض جولة الإعادة عن دائرة مدينة نصر.
جميل حليم: الدولة تحرص على ضمان تمثيل فئات مختلفة في المجالس النيابية من خلال آليات محدّدة
واستمر هذا المسار التصاعدى لمشاركة الأقباط، خاصة بعد دستور 2014، وفى هذا السياق، قال المستشار الدكتور جميل حليم حبيب، مستشار الكنيسة الكاثوليكية وعضو مجلس الشيوخ، إنّ الدولة تتخذ منحى جديداً وغير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، إذ حرصت
القيادة السياسية على وضع حجر الأساس لإرساء قيم المواطنة والوحدة الوطنية بالدولة منذ ثورة الثلاثين من يونيو 2013، وهو ما ظهر من خلال نصوص دستور 2014، حيث وضع عدة ممثلين للكنائس المصرية الثلاث بلجنة الخمسين، للتأكيد على المساواة الكاملة بين المواطنين.
وأضاف حليم، فى تصريحات لـالوطن، أن دستور 2014 تضمن عدة مواد تعكس احترام الدولة لجميع المواطنين وتعزّز مفهوم المواطنة، موضحاً أن المادة الثالثة نصّت على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين
واليهود هى المصدر الرئيسى للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية وشئونهم الدينية واختيار قياداتهم الروحية، بينما أكدت المادة السادسة أن النظام السياسى يقوم على مبادئ الديمقراطية والشورى
والمواطنة التى تساوى بين جميع المواطنين فى الحقوق والواجبات العامة، كما أقر الدستور كذلك المساواة التامة أمام القانون فى المادة 53، وحماية حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية فى المادة 64.
وأضاف أن الدولة حرصت أيضاً على ضمان تمثيل فئات مختلفة من الشعب فى المجالس النيابية من خلال آليات محدّدة، فالمادة 243 نصت على تمثيل العمال والفلاحين بشكل ملائم، بينما
المادة 244 كفلت تمثيل الشباب والمسيحيين وذوى الإعاقة والمصريين المقيمين بالخارج، بما يحقّق التوازن المجتمعى ويدعم المشاركة السياسية ويعزّز النسيج الوطنى، مشيراً إلى
أن تعديل هاتين المادتين جاء فى إطار زيادة التمثيل المجتمعى ودعم الحياة السياسية، بحيث يحصل كل فصيل من فئات المجتمع على تمثيل عادل، ويكون لهم صوت حقيقى فى العملية التشريعية.
أماني عزيز أول نائبة مسيحية تحصل على منصب وكيل اللجنة الدينية في تاريخ البرلمان المصري عام 2015
وظهر تأثير تلك النصوص القانونية خلال انتخابات مجلس النواب 2020 التى ترشّح خلالها 108 أقباط على القوائم الانتخابية الأربع التى تم قبول أوراقها بالهيئة الوطنية للانتخابات، تراوحت
صفاتهم بين مسيحيين وشخصيات عامة ومصريين بالخارج وشباب، منهم 53 خاضوا الانتخابات أساسيين، و55 على القوائم الاحتياطية، وتمكن المسيحيون من الحفاظ على تمثيلهم خلال هذه الدورة من
المجلس بحصد 3 مقاعد بالنظام الفردى و28 مقعداً عبر القوائم، بالإضافة إلى 7 بالتعيين من رئيس الجمهورية ليصل إجمالى مقاعد الأقباط إلى 38 مقعداً، وهو ما مثل طفرة فى حضور الأقباط تحت قبة البرلمان.
وفى انتخابات عام 2025 استمر هذا المسار، حيث بلغ عدد الأقباط فى مجلس الشيوخ 20 عضواً بواقع عضوين فازا بالنظام الفردى و10 أعضاء عبر القوائم الانتخابية و8 أعضاء بالتعيين الرئاسى، بما يعكس استمرار الجمع بين الانتخاب والتعيين كآلية لضمان التمثيل المتوازن، كما بلغ عدد الفائزين خلال انتخابات مجلس النواب 2025، من الأقباط 24 نائباً، بواقع 20 على نظام القوائم، واثنين على النظام الفردى، و2 بالتعيين.
وخلال السنوات الماضية للبرلمان لم يكن حضور الأقباط رمزياً فى الحياة النيابية بل شاركوا بفاعلية فى اللجان النوعية المختلفة، فقد كانت النائبة أمانى عزيز أول نائبة مسيحية تحصل على منصب وكيل اللجنة
الدينية فى تاريخ البرلمان المصرى عام 2015، كما كانت النائبة فيبى جرجس أول سيدة مسيحية تتولى منصب وكيل ثانٍ لمجلس الشيوخ فى 2020، وتكرّر الأمر، وتولى المستشار فارس فام وكيل مجلس الشيوخ فى 2025، فيما تقدّم عدد
من النواب الأقباط بمشروعات قوانين وشاركوا فى مناقشة تعديلات تشريعية مختلفة فى عده مجالات، وهو ما انعكس على مفهوم المواطنة وصورة الدولة داخلياً وخارجياً، باعتبارها دولة تحرص على تمثيل جميع مواطنيها دون تمييز.
واختتم المستشار جميل حليم بالتأكيد على أن ما تحقّق فى ملف المواطنة يمثل ترجمة عملية للإرادة السياسية، مشدّداً على أن مصر تمضى بخطوات ثابتة نحو بناء دولة حديثة تقوم على المواطنة الكاملة والتعايش بين جميع الأديان.
حليم



