القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

عايدة نصيف تكتب: مفهوم العقل عند قداسة البابا تواضروس الثانى

عايدة نصيف تكتب: مفهوم العقل عند قداسة البابا تواضروس الثانى

بقلم عايدة نصيف

عشرة أعوام على اعتلاء قداسة البابا تواضروس الثانى، كرسى الكرازة المرقسية، ووجدنا إسهاماته فى جميع الاتجاهات سواء على مستوى الكنيسة أو الوطن، بل اتضحت رؤية قداسته الروحية والفكرية، وموقفه تجاه التفكير الإنسانى.

وأتوقف بوصفى أستاذة وباحثة فى علم الفلسفة، أمام مفهوم العقل الإنسانى عند قداسته، إذ يتحدث قداسة البابا تواضروس، عن مفهوم العقل الذى هو بمثابة قاطرة الحكمة والانفتاح والتنوير والانفتاح على الآخر.

وأتذكر المقولة الفلسفية المشهورة عند سماع قداسة البابا عن مفهوم العقل، أن العقل أعدل الأشياء قسمة بين البشر".

وينطلق قداسة البابا تواضروس الثانى، من منطلق كتابى فى موضوع العقل معولا ومنطلقا من قول الكتاب ومن قول المزامير "لتكن أقوال فمى وفكر قلبى أمامك يارب صخرتى ووليى" (مز 14:19).

ويقول قداسة البابا تواضروس الثانى، فى إشكالية العقل فى كتاب له بعنوان (وكل ما يصنعه ينجح، ص 10) " أن العقل الذى ميزنا به الله هو نعمة وعطية وهبة من الله لك أيها الإنسان، فقد أعطاك هذا

العقل بمثابة نور وأيضا أعطاه لك حتى تنميه وتجعله يتسع بالمعرفة، وهو أيضا زينة وجمال الإنسان، فمن الممكن أن نصف شخصا فنقول فلان عاقل أو فلانة عاقلة أو نقول فلان حكيم أو فلانة حكيمة

وأغلبنا درس مثل العذارى الحكيمات والجاهلات، وشتان بين الاثنين.... كذلك العقل ميزان تزن به كل مواقف حياتك، لذلك العقل المنفتح لا يتعلم من الأشخاص فقط بل يتعلم من الطبيعة والأشياء أيضا".

وأجد فى الواقع أن مفهوم العقل عند قداسة البابا تواضروس مرتبط بالحكمة والاستنارة والانفتاح؛ حيث يرى أن القراءة تجعل العقل منفتحا، ويرى أنه يجب أن يكون عقل الإنسان حكيما، بل ربط قداسة البابا تواضروس بين العقل والإيمان، وبين العقل والكرازة، وبين العقل والتعليم، ويذكرنى بقول القديس أوغسطينوس "اؤمن كى أتعقل" أى أن العقل الحكيم ضرورى للإيمان والفهم بل والكرازة والتعليم.


ويقول قداسة البابا تواضروس الثانى "عقولنا يجب أن تنفتح" فى (محاضرة قداسة البابا تواضروس العذراء الزيتون، 26-8-2015)، ويقول أيضا فى ذات المحاضرة: "العالم يتغير ويجب أن تواكب عقولنا التغيير"، ويؤكد قداسة البابا على أهمية العقل بقوله "إن العقل فى وسط الحواس كميزان لها".

ويشير قداسة البابا تواضروس فى ذلك السياق إلى "أن الخطية تجعل عقل الإنسان ضيقا" وهنا ربط قداسته بين الخطية وضيق العقل، أى العقل المتشدد الذى يصر على الخطأ دون المعرفة ودون الحوار.

ويرى قداسته أن العالم الذى يتطور يحتاج إلى العقل المنفتح ويعول على موقف القديس بولس الرسول عندما وقف يدافع عن فكره وينتصر العقل المنفتح بواسطة الفكر؛ إذ يؤكد أن لكل زمن، التغيير الخاص به، ويرى أن الإنسان المسيحى ينبغى أن يكون له دائما فكرا منفتحا فى حياته؛ ولذا يؤكد قداسته على احتياجنا دائما للعقل المنفتح (محاضرة قداسة البابا تواضروس عن العقل، كنيسة العذراء الزيتون).

ويحدد لنا قداسة البابا تواضروس، صفات العقل المنفتح.. عقل عملى يراعى الزمان الذى فيه ويراعى التغيير، وعقل محاور، والحوار هو الانفتاح وقبول الآخر المختلف، بالإضافة إلى عقل، مهموم بقضايا المجتمع، سواء على مستوى العائلة أو الكنيسة أو الوطن، وهنا أرى مفهوم قداسة البابا عن العقل الفعال المنتج الذى يشمل المعنى الوجودى للإنسان.

ويضيف قداسة البابا صفة أخرى ألا وهى العقل الواقعى، الذى لا يتكلم فى النظريات فقط، بل يراعى الزمان والمكان، وعقل مبدع ويبتكر؛ حيث إن ابتكارات الإنسان لا تنتهى.

وهنا ينبه قداسة البابا تواضروس، ويشير إلى أهمية التفكير الإبداعى، ثم عقل يفكر فى المستقبل، كيف يكون وكيف يخطط له بطريقة جيدة.

ويؤكد قداسة البابا تواضروس الثانى، أن هناك طرقا لبناء العقل المنفتح، أولها القراءة والمعرفة منطلقا من الكتاب المقدس "لا تنس الوصية الإلهية التى تقول، طوبى للذى يقرأ" (رؤ3:1)، فالإنسان البعيد عن القراءة يكون عقله فارغا.

وهنا أرى أن قداسة البابا، يربط بين مفهوم المعرفة ومفهوم إعمال العقل من خلال القراءة وتأثيرها على تكوين كيان الإنسان، إذ يقول قداسته "إن القراءة لها تأثيرا كبيرا على حياة الإنسان وشخصيته، فهى تغرس فى الإنسان

مبادئ وقيم عديدة، وتنمى العقل، فعقل الإنسان بلا شك إذا اعتاد على القراءة توسعت آفاقه وتفتحت مداركه، بينما الإنسان الذى لا يقرأ عقله متبلدا ومداركه مقفولة محصورة بوجهة نظر معينة أو معلومة خاطئة غير صحيحة، وبالتالى

فإن القراءة هى وسيلة لإنعاش العقل وتجديده باستمرار وعلى الإنسان أن يحرص على أن يبقى عقله بابا مفتوحا دائما لقراءة كل ما هو جديد من المعلومات والأفكار، ومن ثم تحليلها وغربلتها لكى تنضج عنده الفكرة والمعلومة الصحيحة".

ويدعو قداسة البابا تواضروس، فيما سبق إلى تجديد الفكر الإنسانى والانفتاح والفهم وأهمية المعرفة فى إحياء عين العقل الإنسانى، وإذ كان قداسة البابا تواضروس ينطلق من الكتاب المقدس بل ومن كتابات الآباء فهنا يتضح التأصيل الآبائى والكتابى فى فكره وفى معالجته للقضايا الكائنة، بل محاولة مهمة وناجحة وجادة فى التوفيق بين العقل وبين النقل؛ أى بين النصوص المقدسة وبين الفهم الإنسانى.

وفى الواقع هذه الإشكالية كانت مثار اهتمام كل الفلاسفة ما قبل الميلاد، وبعد الميلاد، واللاهوتيين عبر التاريخ بداية من مدرسة آباء الإسكندرية اللاهوتية وحتى الآن، وسوف تستمر فى المستقبل.

وأخيرا وليس بآخر أجد أن التفكير المنطقى له مكانة مميزة فى عقل البابا تواضروس، ونتذكر موقفه التاريخى فى عمر مصر، إذ كان يدعو قداسته الجميع لإعمال العقل حفاظا على سلامة الوطن ووحدته؛ فحبه وخوفه على مصر لم

ينقطع لحظة بدافع وطنى جارف، بل لم ينحصر الأمر على ذلك، ففى كل رحلاته خارج مصر على مستوى الخدمة يحمل مصر فى قلبه وفى عقله، ويبنى جسورا مع كنائس ودول انقطعت علاقاتنا بهم من سنوات وسنوات؛ وذلك دليل على إدراكه

اللحظة التاريخية التى تعيشها مصر ومدى احتياج مصر لكل المجهودات، فتربة مصر ولادة بأبنائها المخلصين والمحبين لها، فقداسة البابا تواضروس هو عطية السماء للكنيسة، واختيار الله ليكون فى لحظة تاريخية مهمة من عمر الوطن.

عايدة نصيف
20 نوفمبر 2022 |
×