القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

مدارس «الفرير».. على شرف «الماعت» بقلم فاطمة ناعوت

مدارس «الفرير».. على شرف «الماعت»  بقلم فاطمة ناعوت
بقلم فاطمة ناعوت

يقول المحكّمون: إن قلبَ الرجل بالحقيقة قد وُزِن، وروحَه وقفت شاهدةً عليه، وقد وُجِد لا تشوبه شائبةُ شرٍّ، ولم يأتِ بالأذى فى أعماله، ولم ينطق بلسان السوء عندما كان على الأرض، ووُجد صادقًا عند وضعه على الميزان العظيم... هنا يُمنح المتوفى

لقب: صادق القول، التى تكافئ عندنا اليوم عبارة: المغفور له أو المرحوم.. فيُعيدون تركيب قلبه فى جسمه المحنّط، ويعطونه ملابسَ بيضاء مشرقةً، ويدخل الفردوسَ من فوره ويلتحق بزوجته وأسرته، ويُخصص له خدمٌ وحاشية يسمونهم أوجيبتى، أى المُجيبين للمطالب.

ما سبق كان خاتمة طقس المحاكمة الأوزورية التى يخضعُ لها المتوفى فى مصر القديمة بعدما تجرى محاسبته على جميع ما صنع أثناء حياته على الأرض من حسنات أو آثام. فإن كان صالحًا ينالُ البعث فى الحياة، وإن كان آثمًا يلتهم قلبَه وحشٌ اسمه عمعموت، له رأس تمساح، وجسد أسد وفرس نهر، كما تخبرنا الميثولوجيا المصرية القديمة فى كتاب الخروج إلى النهار الشهير بـكتاب الموتى.


بدعوة طيبة من مسيو هانى مينا مدير مدرسة سان بول فى شبرا، سافرتُ إلى الإسكندرية لإلقاء محاضرة للمعلمين الجدد بمدارس الفرير العريقة، التى تخرّج فيها رموزٌ مصرية عديدة مثل نجيب الريحانى، مصطفى كامل، إسماعيل صدقي، مصطفى فهمى باشا، إبراهيم محلب، حسين السيد، رشدى أباظة، أنور وجدى، عدلى يكن، عصمت عبدالمجيد، وغيرهم.

المكان: مدرسة سان مارك Collge Saint Marc بالشاطبى، أقدم وأعرق وأكبر مدرسة فى مصر. تم بناؤها عام 1928 فى عهد الملك فؤاد الأول على مساحة تزيد على 35 ألف متر مربع، وتضم مراحل التعليم الابتدائى

والإعدادى والثانوى. المحاضرة: قانون الماعت للأخلاق فى مصر القديمة، المدونة فى الفصل 125 من (كتاب الموتى)، أقدم كتاب فى التاريخ، ويضمُّ مجموعة من الوثائق الدينية والنصوص الجنائزية

لتكون دليلًا للميت فى رحلته إلى العالم الآخر، ولاتزال نسخة منه محفوظة فى المتحف البريطانى. وأما ماعت فهى ربَّةُ الحقيقة والعدالة والنظام والانسجام فى الكون. وكانت على هيئة امرأة

جميلة تضعُ ريشة على رأسها: ريشة الضمير. يقفُ المتوفّى يُقرُّ باثنين وأربعين اعترافًا ثبوتيًّا: (كنتُ - فعلتُ، واثنين وأربعين اعترافًا إنكاريًّا: (لم أكن - لم أفعل). ثم يوضع قلبُ المتوفى

فى كفّة ميزان، وفى الأخرى توضع ريشة ماعت، فإن ثَقُلَ القلب، كان محملًا بالآثام وانتهى أمره بالعذاب الأبدى.. وإن خفَّ كان طاهرًا متحررًا من الخطايا، وكان جزاؤه الفردوس.. والفقرة الأولى فى صدر المقال.

من الاعترافات الثبوتية: أنا أشرف الفضيلة. أنا أحبُّ جميع الناس. أنا أقدّر الجميل. أنا أنشرُ السلام. أنا أحترام الممتلكات والميراث. أنا أقدس الحياة. أنا أحيا فى الحق. أنا أحترم جميع

المعتقدات. أنا أتكلم بصدق وأحفظ الحقوق. أنا أحسِن الظن. أنا أكرم الحيوان. أنا يُعتمد علىَّ. أنا أتكتم شؤونى الخاصة. أنا أذكر محاسن الآخرين. أنا أتوازن فى مشاعرى. أنا أُعلى شأن العفّة.

أنا أنشر الفرح. أنا أبذل قصارى جهدى فى العمل. أنا أتواصل بود مع الناس. أنا أُنصت للآراء المعارضة. أنا أحتج على العبثية والسخرية والتنمّر. أنا أتسامح. أنا أعطف. أنا أحترم الآخرين ولا

أردُّ سائلا. أنا أتّبع حدسى الداخلى. أنا أتخاطب بوعى. أنا أعمل الخير وأتصدّق على الفقراء. أنا أحافظ على المياه ولا ألوثها. أنا أتكلم بحسن نية. أنا أكوّن نفسى بكرامة. أنا أترقى من خلال قدراتى الفردية.

ومن الاعترافات الإنكارية: لم أقتل، ولم أُحرّض على القتل. لم أتسبب فى الإرهاب. لم أكن سببًا فى بؤس إنسان. لم أعذب حيوانًا، ولا تسببتُ فى شقاء نبات بأن نسيت أن أسقيه. لم أتسبب

فى دموع إنسان. لم أظلم. لم أسرق. لم أحرم إنسانًا من حقّ. لم أستدعِ شاهد زور. لم أجرح شخصًا بالكلمات. لم أخدع ولم أتماكر. لم أحتقر أحدًا. لم أتنصّت على أحد. لم أطمس الحقيقة. لم

أحكم على إنسان فى تعجّل وقسوة. لم أدنّس الأماكن المقدسة. لم أتسبب فى إتلاف يتعيّن إصلاحُه جهدُ عمّال أو سجناء. لم أغضب دون سبب وجيه. لم أهدر المياه الجارية. لم ألوّث مياه

النهر أو تراب الأرض. لم أتخذ اسم الله هُزوًا. لم أطمع فى ممتلكات جارى. لم أتصرف بوقاحة. لم أكن مغرورًا ولا تصرفت بغطرسة. لم أُخلّ بالتزاماتى اليومية. أطعتُ القانون ولم أرتكب الخيانة.

كان هذا قانون الأخلاق الرفيع الذى عرفه أجدادنُا قبل نزول الأديان بآلاف السنين، والذى أنشأ حضارة مصر العظيمة، أعرق وأرقى الحضارات.

Share On Facebook
Share On Twitter
فاطمة ناعوت - المصرى اليوم
04 اغسطس 2022 |