القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

هل المتطرف مريض نفسياً وهناك تغيرات في شكل المخ .. خالد منتصر يجيب

قال المفكر والطبيب خالد منتصر:" في حوار تليفوني مع صديقي د طارق عبد الحميد أو توفيق حميد ، مابين الاسماعيلية وواشنطن ، تساءلنا عن هل دماغ المتطرف عصبياً وتشريحياً وفسيولوجياً مختلفة ؟؟، وتواعدنا أن يبحث كل منا ويكتب في الموضوع، وكان هذا هو حصادي وفي انتظار حصاد ورأي د طارق، والموضوع مفتوح لآراء الأصدقاء :

هل المتطرف مريض نفسياً وهناك تغيرات في شكل المخ .. خالد منتصر يجيب

يشكل التطرف الديني أحد أكثر الظواهر الاجتماعية والفكرية تعقيدًا في العصر الحديث، غير أن مقاربته لم تعد حكرًا على علم الاجتماع أو الفلسفة السياسية، بل أصبحت علوم الأعصاب المعرفية تقدم إطارًا علميًا لفهم

جذوره البيولوجية وأنماط معالجته داخل الدماغ. لا يعني ذلك وجود “جين للتطرف”، بل يشير إلى وجود أنماط معالجة معرفية وانفعالية تتفاعل مع البيئة والثقافة والتنشئة لتنتج ما يُعرف بالتصلب الفكري أو اليقين المطلق.

مضيفا عبر حسابه على فيسبوك:" أظهرت الدراسات العصبية أن اللوزة الدماغية، وهي البنية المسؤولة عن معالجة الخوف واستشعار التهديد، تلعب دورًا محوريًا في تكوين الذهنية

المتشددة. فالأفراد الذين يميلون إلى التفكير المحافظ المتصلب أو المتطرف غالبًا ما يُظهرون نشاطًا أعلى في اللوزة الدماغية عند التعرض لمثيرات تُصنف باعتبارها تهديدًا

ثقافيًا أو دينيًا أو اجتماعيًا. هذا النشاط المرتفع يعزز الشعور بالخطر ويغذي خطاب “نحن في مواجهة تهديد دائم”، وهو الخطاب الذي يشكل البنية النفسية لأي أيديولوجيا متطرفة.

في المقابل، تمثل القشرة الجبهية الأمامية مركز التفكير النقدي والمرونة المعرفية وضبط الانفعالات. هذه المنطقة مسؤولة عن تقييم الأدلة، وتحليل المعلومات المتناقضة، وكبح الاستجابات الانفعالية السريعة. تشير بعض الدراسات إلى أن ضعف نشاط

هذه المنطقة أو انخفاض كفاءتها الوظيفية يرتبط بتراجع القدرة على التفكير التحليلي لصالح الاستجابات العاطفية السريعة. عندما يهيمن الخوف، تتراجع سلطة التفكير النقدي، ويصبح العقل أكثر ميلًا للثنائيات الحادة: مؤمن وكافر، حق وباطل، نحن وهم.

أما القشرة الحزامية الأمامية (Anterior Cingulate Cortex – ACC) فتمثل حلقة الوصل بين العاطفة والتفكير التنفيذي. تقع هذه المنطقة في الجزء الإنسي من الدماغ، وتؤدي دورًا أساسيًا في اكتشاف الخطأ ورصد التناقض

المعرفي وتحمل الغموض. عندما يواجه الفرد فكرة تتعارض مع معتقداته، يتولى الـ ACC رصد الصراع الداخلي، ثم يرسل إشارات إلى القشرة الجبهية لإعادة التقييم. انخفاض نشاط هذه المنطقة يرتبط بتراجع

القدرة على تحمل عدم اليقين، وهو ما يفسر الميل إلى البحث عن إجابات قطعية ونهائية ورفض المناطق الرمادية في التفكير. بذلك يصبح ضعف كفاءة الـ ACC أحد العوامل العصبية التي تساهم في التصلب الفكري والتزمت.

من منظور اللدونة أو المرونة العصبية neuroplaticity، فإن الدماغ يتشكل باستمرار وفقًا للخبرة المتكررة. إذا نشأ الفرد داخل بيئة فكرية مغلقة، تُعزز مسارات عصبية معينة مرتبطة باليقين والاستجابة الانفعالية، بينما تضعف المسارات المرتبطة بالتحليل والنقد والتساؤل. بمرور الوقت يصبح النمط الإدراكي أكثر تصلبًا، ليس كقرار واعٍ، بل كنتيجة لتدريب عصبي متكرر.

غير أن هذه الصورة ليست قدرًا بيولوجيًا محتومًا. الدماغ يتمتع بقدرة عالية على إعادة التشكيل. التعليم النقدي، والانفتاح الثقافي، والتعرض لتعدد وجهات النظر، والفنون، والحوار العقلاني، كلها عوامل ثبت

أنها تعزز نشاط القشرة الجبهية الأمامية وترفع مستوى المرونة المعرفية، كما تنشط دوائر رصد التناقض في القشرة الحزامية الأمامية. بمعنى آخر، يمكن إعادة برمجة أنماط التفكير عبر التجربة والتعليم الواعي.

من المهم التأكيد على أن التطرف ليس مرضًا نفسيًا في حد ذاته، بل هو نمط إدراكي وانفعالي يتغذى على الخوف، والهوية المغلقة، والسرديات التي تضخم التهديد وتقلل من قيمة التفكير النقدي. البيولوجيا هنا لا تبرر، لكنها تفسر؛ ولا تعفي من المسؤولية، بل تساعدنا على فهم آليات الوقاية والتصحيح.

إن فهم العلاقة بين الدماغ والتزمت الديني لا يهدف إلى شيطنة المتدينين، بل إلى التفريق بين الإيمان بوصفه تجربة روحية، والتطرف بوصفه نمطًا عصبيًا معرفيًا يقوم على تضخيم التهديد وتقليص مساحة الشك المشروع. العلم هنا يقدم أداة لفهم أعمق، وليس حكمًا أخلاقيًا.

واختتم :"في النهاية، يمكن القول إن الصراع بين التطرف والانفتاح هو في جانب منه صراع بين دوائر الخوف ودوائر التفكير النقدي داخل الدماغ. وحيثما تعززت مساحات الحرية الفكرية، ازداد نشاط القشرة المخية

المسؤولة عن التحليل والتأمل، وانحسر تأثير الاستجابات الانفعالية البدائية. وهنا يتقاطع العلم مع الفلسفة: الحرية ليست فقط خيارًا فكريًا، بل هي أيضًا ممارسة عصبية تتطلب تدريبًا دائمًا على التفكير.

أقباط متحدون
15 فبراير 2026 |