القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

الشماتة ليست من شيم السادة!!

العنوان أعلاه من مأثورات طيب الذكر أديب نوبل «نجيب محفوظ»، أستخرجه من قاع ذاكرتى المتصحرة حالة الشماتة الذميمة فى جملة الوزراء الخارجين من التشكيلة الوزارية الأخيرة.

الشماتة ليست من شيم السادة!!

حالة شماتة ممعنة فى القبح لطخت حوائط الفيس بوك، ولوثت مياه إكس، وكأنهم كانوا ينتظرون خروجهم ليكسروا فى أثرهم كومة من القلل القناوى.

إذ فجأة طفحت مجارى الصرف الصحى فى أثر الوزراء الخارجين، تلطخ وجوههم وتوسخ ثيابهم، متهمين بالفشل والتقصير، وكانوا قبلاً قبلة المشتاقين، وهاتفهم لا يكف عن رنين المنافقين، ويلقبونهم باللقب العالى: معالى الوزير، وكأنه (الوزير ساعة خروجه الحزين) سقط من حالق، سقط فى بلاعة مجارى الفضاء الإلكترونى.

التغيير سنة الحياة، ومن شعر أبو العلاء المعرى: «تَعَبٌ كُلُّها الحَياةُ فَما أَعْ / جَبُ إِلّا مِنْ راغبٍ فى ازْديادِ»، ومثلها تعبٌ كلها الوزارة، فى مثل هذه أجواءٍ مصحوبةٍ بأنواء، الوزارة تكليفٌ وليس تشريفًا، الوزارة فى مصر ليست نزهة خلوية، أعمالٌ وزارية شاقة.

من لزوميات المنصب التقريع والتلويم، ومن يحمل حقيبة وزارية لا محالة مشتوم، وكما قال ابن حزم الأندلسى: «من تصدر لخدمة العامة فلا بد أن يتصدق ببعضٍ من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حتى وإن واصل الليل والنهار».

تسوؤنى الشماتة، تنطوى على السوء، وفى باب النهى عن إظهار الشماتة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيكَ فَيَرْحَمْهُ اللَّهُ.. وَيَبْتَلِيكَ»، وللإمام «على بن أبى طالب رضى الله عنه» قولٌ مأثور: «أشدُّ من البلاء شماتة الأعداء»، وللشاعر العربى «الفرزدق» قولٌ حكيم:

«إذا ما الدهر جر على أناسٍ.. كلاكلهُ أناخ بآخرينا

فقل للشامتين بنا أفيقوا.. سيلقى الشامتون كما لقينا».

معلوم، الشماتة لا تدوم، وصاحبها مذموم، والشَّمَاتَةُ بِالنَّاسِ أَيِ الفَرَحُ وَالاغْتِبَاطُ بِبَلِيَّةِ الآخَرِينَ، من القبح البواح، أن تشمت مبتسمًا كاشفًا عن أسنانك الصفراء، وبابتسامةٍ لزجةٍ تسيل على شفتيك، وترتسم مفكرًا ومنظرًا فى فلسفة التغيير واختيار الوزراء، وفى التحليل الأخير حاقدًا أو ناقمًا، أو تبيت على ثأر.

أن تشمت فى وزير خرج فى التعديل الأخير لأسبابٍ، أن تشمت فى وزيرٍ مُقَدَّرٍ، ترجمته لؤمٌ، وتغرد ساعة خروجه فى غبطة، وتتحزم وترقص فى الفضاء الإلكترونى، يرونك عاريًا من كل خلق، وكلما تعريت وبانت عورتك تأسفوا لحالك، تتبضع لايكات وإعجابات وأنت تأكل لحم أخيك حيًا.

ربنا ابتلانا بنفرٍ شامتين، يغردون شماتة، وينقرون الرؤوس كالغربان بحكيٍ بغيض، ويلوكون سيرة الوزراء المغادرين، ويرسمونهم متهمين، ويطلون بوجوههم القبيحة عبر الفضاء الإلكترونى يتأبطون شرًا، ويستبطنون خبثًا، فرصةٌ سنحت لتخليص ثاراتٍ قديمة.

مثل هؤلاء كالنادبات المستأجرات، يندبون بلقمتهم، وكأنهم من الأهل والخلان، وهم ألدُّ الخصام؛ اللَّدَدُ أشدُّ الخصومة، ورجلٌ ألدُّ شديد المخاصمة واللِّجاج، يخاصم ويجادل ويراوغ، فلا يرجع إلى الحق إذا ظهر له، بل يشتدُّ فى خصومته، ذو مراوغةٍ لا توصلك معه إلى حقٍّ أبدًا.

نار الشماتة تشوى قلوبهم وتحرق أكبادهم، وكلما أوغلوا فى الشماتة مكايدةً، جبر الله بخاطر الطيبين، فأشرقت وجوههم بنعمته، لا يلقون بالًا بشماتة هؤلاء، ويشيحون عن وجوههم القبيحة، ويواصلون تأدية رسالتهم فى الحياة.. الوزارة ليست النهاية عند بعض المستغنين بداية.

حمدي رزق
14 فبراير 2026 |