القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

«الصوم» .. بقلم الأنبا إرميا

أيامٌ قليلةٌ تَفصِلُ المِصرِيين جَميعًا عن الصَّومِ؛ إذْ يبدأُ أقباطُ مِصْر الصَّومَ الكَبيرَ يومَ الإثنين 16 فبراير، والذى يَستمرُ 55 يومًا، تنتهى باحتفالاتِ عِيدِ القِيَامَةِ. كما يبدأُ المسلمون صَومَ رمضان بَعدَها بأيامٍ قليلةٍ، لِمُدةِ ثلاثين يومًا تنتهى بعدها باحتفالاتِ عيدِ الفِطْرِ.

«الصوم» .. بقلم الأنبا إرميا

وهكذا، يُقْبِلُ المِصريون على الأَصْوَامِ، وتَرتَفِعُ قلوبُهم جميعًا بالصلواتِ إلى الله، لِتَتَبَارَكَ أيَّامُنا بتلك العَلَاقَةِ الرُّوحِيّةِ العَميقةِ، حيثُ ترتفعُ الرُّوحُ لِتُحَلِّقَ فى السَّماواتِ، بينما يَتَدَرَّبُ الجَسدُ على الخُشُوعِ والتَّقَشُّفِ، وتَهدَأُ النَّفْسُ فى سَلَامِ العُمقِ الرُّوحِيّ الذى يَحيَاه الإنسانُ فى علاقتِه مع الله.

وقد نَادَتْ الأَديَانُ والعِبَادَاتُ بأهميةِ الصَّومِ للإنسانِ؛ فهو طَريقُ سُموّ الرُّوحِ وتَقويتِها، إذْ يَنطَلِقُ الإنسانُ نحوَ اللهِ خالِقِه ليَحظَى بِبَرَكاتٍ كثيرةٍ ونِعَمٍ

إِلَهيّةٍ تَدفَعُه للسَّيرِ فى طريقِ الفَضَائلِ من محبةٍ وصَبرٍ وتَقوَى وصُنْعِ الخَيرِ، وغيرها. وفوائدُ الصَّومِ لا تَقتَصِرُ على الرُّوحِ فقط، بلْ تشملُ الجَسدَ أيضًا، يقول

البابا شنودة الثالث: وعن فوائدِ الصَّومِ للجسدِ، فهى عَديدَةٌ أيضًا.. يُذكَر فى مُقدِمتِها أنَّها فترةُ رَاحَةٍ لِبَعضِ أَجهِزَةِ الجَسَدِ.. كالمَعِدَةِ والأَمعَاءِ والكَبِدِ

والمَرَارةِ.. أمَّا فى خلالِ فترةِ الانقِطَاعِ عن الطَّعَامِ، فتَستَريحُ أجهزةُ الجِسمِ هذه؛ وخَاصَّةً المَعِدةَ التى هى بيتُ الداءِ!.. وهكذا، يكونُ الصومُ وسيلةً يُسيطِرُ بها

الإنسانُ على رغباتِ جَسَدِهِ ونَفسِه، كى تَتَحرَّرَ الرُّوحُ وترتَقِى فَيَتَسَامَى الإنسانُ رُوحًا وجسدًا ونَفْسًا حين يَتَدرَّبُ على الصَّبرِ وقُوةِ التَّحَمُّلِ وتَقويةِ الإرادةِ والعَزيمةِ.

ويرتبطُ الصَّومُ بالتَّوبَةِ؛ فعندما يبدأُ الإنسانُ الصَّومَ يبدأُ طريقُ العَودَةِ إلى الله، ويَذكُرُ يوئيل النبى وَصيّةَ اللهِ للشَّعبِ: وَلكِنِ الآنَ، يَقُولُ الرَّبُّ، ارْجِعُوا إِلَيَّ بِكُلِّ قُلُوبِكُمْ،

وَبِالصَّوْمِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّوْحِ. (سفر يوئيل 2: 12). كما يَذكُرُ القِديسُ أكليمنضس السكندرى عن الصَّومِ: الصَّومُ هو امتِنَاعٌ عن كُلِّ الشِّرُورِ الشائعةِ عُمَومًا، سَواء تلك التى بِالفِعْلِ أو بِالقَولِ أو بِالفِكْرِ.

وقد كانَ صَومُ أهلِ نينوى نَمُوذَجًا لصَومِ البَشرِ من أجلِ تقديمِ تَوبَةٍ عن شُرُورِهم وخَطَايَاهم، إذْ يَذكُرُ الكِتَابُ: فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللهِ وَنَادَوْا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحًا مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ (سفر يونان 3: 5).

ويَتَحَدّثُ القُرآنُ عن الصَّومِ وأهميتِه فى حياةِ الإنسانِ وتَقوَاه، فيقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183]؛ فَالصَّومُ هو إحدى الوَسَائلِ لِتَحقِيقِ تَقوَى اللهِ ومَغفِرَةِ الذِّنُوبِ.

ويَرتَبطُ الصَّومُ أيضًا بأعمَالِ الخَيرِ؛ فالصَّومُ الحَقيقيّ المَقبُولُ عندَ الله هو الذى يهتمُّ بالفَضَائلِ الرُّوحيّةِ؛ ويَذكُرُ الكِتابُ المقدسُ ما يُريدُه اللهُ من الإنسانِ فى

الصَّومِ: أَلَيْسَ هذَا صَوْمًا أَخْتَارُهُ: حَلَّ قُيُودِ الشَّرِّ. فَكَّ عُقَدِ النِّيرِ، وَإِطْلاَقَ الْمَسْحُوقِينَ أَحْرَارًا، وَقَطْعَ كُلِّ نِيرٍ. أَلَيْسَ أَنْ تَكْسِرَ

لِلْجَائِعِ خُبْزَكَ، وَأَنْ تُدْخِلَ الْمَسَاكِينَ التَّائِهِينَ إِلَى بَيْتِكَ؟ إِذَا رَأَيْتَ عُرْيَانًا أَنْ تَكْسُوهُ، وَأَنْ لاَ تَتَغَاضَى عَنْ لَحْمِكَ (سفر إشعياء 58: 6، 7)؛ كما

يتساءل القديس يوحنا ذهبيّ الفم: هل أنت تصومُ؟ أَرِنِى ذلك بأعمالِك. فإنْ رأيتَ مِسكِينًا فأَشفِقْ عليه. وإنْ رأيتَ عدوًّا تَصَالَحْ معه {ولكن لا يَصُمْ فَمُكَ وَحدُهُ بل عيناكَ أيضًا وسَمْعُكَ وكلُّ أعضاءِ جَسَدِكَ.

والصَّومُ هو لله؛ لذلك فهو الذى يُجَازِى الصَّائِمَ عن صَومِهِ، ففى المَسِيحيةِ يَذكُر الكِتابُ: وَمَتَى صَلَّيْتَ فَلاَ تَكُنْ كَالْمُرَائِينَ، فَإِنَّهُمْ يُحِبُّونَ أَنْ يُصَلُّوا

قَائِمِينَ فِى الْمَجَامِعِ وَفِى زَوَايَا الشَّوَارِعِ، لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ (متى 6: 5)، ويذكر: وَأَمَّا أَنْتَ

فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ. لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِمًا، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِى فِى الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِى يَرَى فِى الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً (متى 6: 17- 18).

وفى الإسلام، وَرَدَ فى الحديثِ القُدسِيّ أن الصَّومَ لله وهو الذى يُجَازِى عليه: كلُّ عمَلِ ابنِ آدمَ له إلا الصيامَ فهو لِى وأنا أجزِى بِهِ.

إلَّا أنَّه على الإنسانِ أن ينتبهَ إلى صَومِهِ، فلا يَتَبَاهَى به ولا تَتَكَبّرُ نفسُه؛ فالله لا يَقبَلُ صَومَ النُّفُوسِ المُتَعاليةِ، مثل ذلك الفريسى الذى صلى قائلًا: أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِى الأُسْبُوعِ،

وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ (لوقا 18: 12)؛ فَنَزَلَ من أمام الله مُدَانًا، وصومُه غيرُ مقبولٍ. إنَّ الصَّومَ الحَقِيقيّ هو الصَّومُ الصَادِرُ من نَفْسٍ تائبةٍ متواضعةٍ، تشعرُ باحتياجِها الدَّائمِ إلى الله.

كلُّ عامٍ وجميعُكُم بِخَير، ونُصَلِّى إلى اللهِ أنْ يَقبَلَ الصَّلَواتِ والأصوامَ وأعمالَ الرَّحمةِ الصَّادِرةِ من القُلوبِ المَحبَّةِ له.

و.. والحديث عن مِصر الحُلوة لا ينتهى!

* الأسقف العام رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى

الأنبا إرميا - المصرى اليوم
11 فبراير 2026 |