(عرفتُ هذه السيدة عن قرب. فقد عملنا سويا فى مدرسة ثانوية للبنات، وكانت تُدرِّس اللغة الفرنسية. ورأيتُ بنفسى كم كانت تعطف على البنات الفقراء. وابتكرت طريقة راقية للمساعدة
بكامل الكرامة. كانت تطرح على الطالبات سؤالًا بسيطًا، ثم تقول إجابته للبنات. وتخبرهن إنها سوف تسأل نفس السؤال فى الغد، ومَن تُحسن إجابته ستأخذ جائزة. وفى الغد تختارُ
للإجابة، عن عمدٍ خفيّ، تلميذاتٍ بعينها، كانت تعلم، من شؤون الطلاب، ظروفهن المادية المتعثرة، وتعطيهن المكافآت لكى تساعدهن دون أن تجرح مشاعرهن. ربنا يصبر أولادها وكل من عرفها).
هذه الشهادةَ الطيبة، كتبها المعلِّمُ الفاضل الأستاذ مجدى رزق، فى صفحتى تعليقًا على بثٍّ مباشر صوّرتُه من سيارتى فور خروجى من عزاء الراحلة الجميلة الأم مارجريت توفيق والدة أصدقاء قلبى الأعزاء: الفنان هانى رمزى، الدكتور إيهاب رمزى، المستشار أمير رمزى، والمحامية نهال رمزى. الأم الجميلة التى رحلت الأسبوع الماضى بعدما نثرتِ الطِّيبَ فى كل مكان خَطت إليه.
والحقُّ أننى، على كثرة ما شهدتُ من وداعات لأشخاص طيبين على مدى سنوات عمرى، لم أشهد فى حياتى مثل هذى الحشود الغفيرة فى وداع هذه الأم الفاضلة، سواء فى صلاة جنازتها، أو فى مراسم تقديم واجب العزاء بعدها بيومين.
طوابيرُ لا نهاية لها اصطفّت على طول الشوارع المؤدية لكنيسة الشهيد أبى سيفين والأنبا مقار بحى التجمع. لكن المفارقة اللافتة والأصدق، أن هذا الزحام لم تصنعه الأسماءُ الكبيرة وحدها، ولا الألقاب اللامعة وفقط، بل
صنعته كذلك جوهٌ بسيطة، جاءت من الهامش الصامت للحياة؛ وجوهٌ لا يعرفُها الإعلامُ والشاشات، لكنها تعرف هذه السيدة الكريمة رحمها الله، لأنها مرّت يومًا فى حياتهم، سكبت الطِّيبَ فى باحات بيوتهم، وتركت فيها أثرًا
كالنور لا يخبو. لكل فرد من أولئك حكايةٌ كان للراحلة الطيبة فيها يدٌ كريمة، معه أو مع أحد أبنائه. هى السيدة التى باعت مصوغاتها ومجوهراتها قبل رحيلها لمساعدة الفقراء، وكانت وصيتها الأخيرة لأبنائها: خلوا بالكم من الغلابة.
لم يكن المُعزّون وحسب من الوزراء والفنانين والمشاهير وأعضاء البرلمان والسلك القضائى وكبار الشخصيات والأقارب والأصدقاء، بل بدا لى وكأن مصر، بقلوب أبنائها قبل مناصبهم، من المسلمين والمسيحيين قد توافدوا من كلّ
صوبٍ لوداع هذه السيدة الجميلة التى قضت سنوات عمرها تمدُّ يدها لكل ذى عوز. كانت تفعل هذا فى الخفاء دون أن يدرى أحدٌ، حتى أبناؤها. لكن كل شىء فوق الأرض يُعلن، فعرف الجميعُ فيوضَ صنيعها الطيب خلال هذا العزاء الأسطورى.
كانت الطوابيرُ لا تنتهى لدرجة أننا، نحن المُعزين، لم نجلس فى قاعة العزاء إلا دقائقَ معدودة من باب الحياء؛ حتى نترك لغيرنا المجال للدخول وتقديم العزاء لأبنائها المحترمين الذين يُعدّون من رموز المجتمع المصرى البارزة فى حقول: القضاء والفن والسياسة.
وبالحديث عن أبنائها، يصعب على المرء ألا يلحظ أثرَ التربية الرفيعة فى سلوكهم بشكل عام، وبشكل خاص يوم استقبال العزاء فى والدتهم. هدوؤهم، تواضعهم، وصبرهم على استقبال هذا السيل الجارف من البشر دون ضيق أو ملل. وقفوا بالساعات رغم حزنهم وتعبهم: يُصافحون، يشكرون، يودّعون؛ وكأن كل مُعزٍّ هو الضيفُ الوحيد المستحق لكامل الاحترام وكامل الوقت وكامل الترحاب.
وشهدنا جميعًا كيف تعامل الفنان هانى رمزى بمنتهى التحضر والبساطة مع حشود الزملاء الصحفيين والإعلاميين، فاعتبرهم قد جاءوا للعزاء لا للتغطية الصحفية. وحين بدأ التدافع لتصوير الحدث، حاول برفق كبح زمام الفوضى وإعادة نِصَاب الهدوء، كما يليق بمشهد وداع مهيب؛ فقال لهم وهو يُغالبُ دموعَه: شكرًا لمجيئكم للعزاء، وأنا واثق أنكم ستعتبرون أمى الراحلة كأنها والدتكم.
تهذيب الأبناء ليس وليدَ مصادفة ولا قدرًا، بل هو نتيجة منطقية للتنشئة الجيدة والتربية الرفيعة، والجهد الطيب الذى بذلته أمٌّ مثقفة ومُعلّمة تربوية وخادمة جليلة فى الكنيسة، وأبٌ نبيل هو الدكتور عادل رمزى
نقيب المحامين بالمنيا الذى بذل حياته للدفاع عن المظلومين، ودون أجر إن كان المظلومُ فقيرًا. أمٌّ وأبٌ لم تنسهما مناصبُهما وأعمالُهما أن يغرسوا فى أولادهم الأربعة القيمَ والتواضع واحترام الناس ومساعدة كل محتاج.
كأسُ ماء بارد لا يضيع أجرُه، اِرمِ خبزَك على وجه الماء، فإنك تجده بعد أيام كثيرة، هكذا يقولُ الكتابُ المقدس ويتأكدُ المعنى فى مثل هذى المواقف المهيبة حين نودّع راحلين عاشوا حياتهم يجزلون العطاء. الإحسانُ إلى الناس لا يذهب
هباءً؛ بل يبقى فى قلوب الطيبين، ويتجلّى فى ازدحام الشوارع بطوابير المُعزين الذين جاءوا يترحّمون على راحلة جليلة، فى مشهد وداعٍ يشبه الحصاد الأخير لحياةٍ أعطت فى الخفاء ومنحت محبةً لم تخفق فى الإعلان عن نفسها فى هذا العزاء الأسطورى.



