يومياً وفى المواقع الصحفية وعلى السوشيال ميديا نجد نداءات أو فيديوهات ومناشدات لأم أو أب أو المريض نفسه، يطالبون الدولة بعلاج مرض نادر أو وراثى خطير مهدد للحياة، وعندما تسأل عن سعر هذا الدواء غير الموجود فى
مصر، يقال لك رقم بالدولار وبالستة أصفار!!، مليون دولار أو اثنين أو ثلاثة!، وبالطبع لا بد أن يثير هذا سؤالاً مؤرقاً عن احتكار الدول الكبرى المتقدمة لهذه الأدوية الجينية التى من الواضح أنها ستمثل مستقبل الطب
والعلاج، هل الدول النامية ستُدهس بالأقدام فى تلك الثورة الجديدة؟، هل مع مرور السنوات ستزداد الشعوب الفقيرة مرضاً وضعفاً ووهناً وعيوباً وراثية قاتلة، ويكتفون بالمناشدات والنداءات والعويل والصراخ على
الإنترنت وشاشات التليفزيون؟، قضية فى منتهى الخطورة، فعلى الجانب الآخر لا نستطيع لوم شركات الأدوية المنتجة لتلك العلاجات الجينية، فهى تتكلف تكلفة باهظة، والمرضى قلة، ويعطى مرة واحدة فى الأغلب، ولا بد أن تجمع
الشركة ما صرفته على الأبحاث التى أحياناً تتجاوز مئات الملايين من الدولارات، القضية معقدة وكل يوم ينزل دواء جينى جديد لمرض جديد كان ميئوساً منه، والدول الفقيرة محلك سر، تكافح لتوفير رغيف عيش أو سقف بيت أو توفير لقاح لوباء.
سأعطيكم بعض الأمثلة على أسعار الدواء لتعرفوا حجم المشكلة وعمق الفجوة وقسوة الحرمان من دواء للأبناء لا يستطيع جلبه الآباء ولا حتى فى الأحلام.. دواء Lenmeldy لعلاج مرض وراثى نادر MLD سعره 4.25 مليون دولار،
دواء Zolgensma لعلاج الضمور العضلى الشوكى سعره 2.1 مليون دولار للجرعة، دواء Hemgenix لعلاج نوع معين من الهيموفيليا 3.5 مليون دولار!، والأمثلة كثيرة ومتعددة ومُحبِطة والأسعار خرافية وجنونية وفوق سقف أى خيال.
لكن لماذا العلاج الجينى يبدو كمستقبل الطب الواعد؟ لأن العلاج الجينى لا يُعالج الأعراض فحسب، بل يستهدف السبب الجينى للمرض أى يُصلح الجين المعطوب أو يُعوّضه، ما يتيح إمكانية شفاء دائم لبعض الأمراض التى
كانت تُعتبر غير قابلة للشفاء، هناك تسارع فى الابتكارات: تطور أدوات مثل التحرير الجينى (بما فيها تقنيات متقدمة لتعديل DNA) + ناقلات أفضل + تقنيات لتوصيل الجينات بأنسجة مستهدفة، التوجه الآن ليس فقط للأمراض
النادرة: من المتوقع أن موجة العلاجات الجينية تتوسع لتشمل أمراضاً أكثر شيوعاً مثل أمراض مزمنة أو معقّدة، وحتى أمراض غير وراثية إن تدخلت ضمن آليات مرضية مرتبطة بالجينات أو التعبير الجينى، بحلول 2030
يُتوقع عدد كبير من علاجات جينية أن تدخل السوق -بعض المصادر تقول إنه من 30 إلى 50 علاجاً جينياً إضافياً قيد الموافقة خلال السنوات القادمة، التقنيات المرتبطة (مثل الجمع بين العلاج الجينى والعلاج بالخلايا
أو العلاج المناعى) تُعد ثورة محتملة فى كيفية تعاملنا مع أمراض معقدة- قد تتحول العلاجات من مراقبة مدى الحياة إلى علاج لمرة واحدة أو محدودة، ولكن تظل هناك حدود وتحديات فليست كل الأمراض سهل تصليحها gen‑wise:
بعض الأمراض معقدة، تتأثر بعدة جينات أو بعوامل بيئية، أو تحتاج تعديلاً دقيقاً جداً ما يجعل العلاج الجينى صعباً أو حالياً غير ممكن، وهناك مخاوف تتعلق بالأمان: أى تدخُّل فى الجينوم قد ينطوى على مخاطر
تحتاج دراسات طويلة الأمد، مراقبة دقة التحرير الجينى، التأكد من عدم تأثيرات جانبية أو تغييرات غير مرغوبة، التكلفة -كما ذكرنا رغم احتمال أن تنخفض مع مرور الوقت- قد تظل عائقاً كبيراً، خاصة فى دول منخفضة أو
متوسطة الدخل، إذا لم توجد آليات تمويل أو سياسات تأمين صحى تغطيها، الجانب التنظيمى / الأخلاقى: تعديل الجينات (خصوصاً إذا امتد للتضمين فى تجرِبة تحرير وراثى) يحتاج ضوابط صارمة، وضمان أن العلاجات تُطوّر بطريقة عادلة وآمنة.
لكن يظل السؤال الأخطر، ماذا نفعل أمام هذا الطوفان؟، لا حل إلا العلم والاهتمام بالبحث العلمى وإرسال البعثات إلى الخارج وإنشاء المعامل المتخصصة فى تلك العلوم الطبية والفارماكولوجية الحديثة، طوق النجاة الوحيد هو العلم.



