القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

الرقصُ.. بجناح مكسور .. بقلم فاطمة ناعوت

الرقصُ.. بجناح مكسور .. بقلم فاطمة ناعوت
فاطمة ناعوت - المصرى اليوم
| 29 ابريل 2021
بقلم فاطمة ناعوتاليومَ 29 أبريل، اليومُ العالمى للرقص؛ كما أقرّته منظمة اليونسكو تخليدًا ليوم ميلاد راقص الباليه الفرنسى جان جورج نوفر. والرقص هو أحد الفنون الستة التى قسّمها الإغريق قسمين: قسمٌ يعتمدُ الإيقاعَ البصرى: العمارة- النحت- التشكيل، وقسمٌ يعتمد الإيقاع السمعى: الموسيقى- الشعر- المسرح، ويدخل الرقصُ تحت مظلّة فنِّ المسرح. الرقصُ فنٌّ فطرى ابتكره الإنسانُ الأول للتعبير عن مشاعر الفرح والخوف والعبادة والحزن والحيرة والأمل. وعلى جدارياتنا المصرية الثمينة نكتشف أن سلفَنا العظيم، الجدَّ المصرى، قد خلّد هذا الفن ضمن ما خلّد من علوم وفنون رفيعة سبقنا بها العالمَ والحضاراتِ. كذلك كان سكّانُ إفريقيا، ولايزالون يقومون برقصات خاصة من أجل جلب المطر أو اتقاءً لشرور مرتقبة.

واليومَ أحكى لكم من عالم الباليه فى الشرق الأقصى قصة حقيقية عن الأمل والإرادة الفولاذية. أُجريت مسابقة للرقص، فاز فيها اثنان كوّنا فريقًا واحدًا. شابة وشابٌّ، مختلفان عن بقية المتسابقين، وفريدان فى عالم الرقص. لذلك ظل جمهور الحضور يصفق لهما وقوفًا مدة طويلة دون انقطاع.

هى: راقصةُ باليه محترفة. تواظبُ على تمارين الرقص منذ طفولتها. وفى حادث مروّع، فقدت ذراعَها من منبته بالكتف! ضربها اليأسُ برهةً. ثم قررت إنشاء مدرسة لتدريب الأطفال على الرقص. وهنا أدركت أن عشقها للرقص يسرى فى شرايينها مسرى الدم، ولا مهرب لها منه. الفراشةُ الجميلةُ مازالت تريدُ أن ترقصَ، رغم انكسار جناحها. جرّبت حركات بسيطة كانت تتقنها منذ طفولتها، فسقطت، لأن فقدانها ذراعها أفقدها الاتزان. فصممت رقصات تتوافق مع تركيب جسدها الجديد الناقص. كانت ترقص وحيدةً بعيدًا عن العيون، خجلًا من مواجهة الناس بإخفاقاتها وعثراتها. أما هو، فلم يكن راقصًا. بُترت ساقُه فى حادث، وسقط أيضًا فى بئر اليأس التى لا قرار لها. ثم التقيا.

كان هدفُها مساعدته ليغدو إيجابيًّا تجاه الحياة من جديد. علّمته الرقص فى أستوديو الرقص الخاص بها، المأوى الذى تهرب إليه من العالم. ثم صممت رقصاتٍ تناسب جسدين: أحدهما بذراع واحدة، والآخر بساق واحدة، وعصا خشبية يتوكأ بها على عجزه. وخلف الأبواب المغلقة، كوّنا معًا جسدًا واحدًا مفعمًا بالتحدى والإبداع، يكسره الإخفاقُ أحيانًا. وراحا يحلمان بما سماه الآخرون: المستحيل. واجهتهما صعابٌ وإحباطات وهزائمُ تقول لهما بصوت غليظ ومتعالٍ: (توقفا! أَنهيا فورًا ذلك العبث!) فيفترقان. ثم تناديهما الوحدةُ والأمل، فيلتقيان ويحاولان من جديد.

وقد ازداد إصرارُهما على المضى فى الطريق الشاقّة. وأنجزا بالفعل رقصتهما المشتركة. ثم كان القرار الأصعب أن يرقصا أمام أصدقائهما، ليعرفا آراءهم فيما أنجزاه طوال تلك المدة داخل أسوار الشرنقة التى شهدت دموعًا وانكساراتٍ لشابين رفضا الاستسلام للعاهة، ورفضا التسليم بالنقص. ورقصا خارج الشرنقة للمرة الأولى فأذهلا الأصدقاءَ الذين شجعوهما على الاشتراك فى المسابقة. اشتركا فى المسابقة. وفازا. وصورت رقصتَهما تليفزيوناتُ العالم. شاهد الرقصةَ المتفرجون فبكوا. وشاهدتُها فبكيتُ. بكيتُ احترامًا لتلك الإرادة وذلك الفن الرفيع. فراشتان مبتورتا الأجنحة ترقصان كأجمل ما يكون الرقص وتقدمان فنًّا من أرقى ما يكون الفن!.

يقول جورج برنارد شو: (أنتَ ترى الأشياءَ، فتقول: كيف ولِمَ؟ بينما أنا أحلمُ بأشياء غير موجودة فأقول: ولِمَ لا؟).. هكذا يفكرُ الشعراءُ والعلماء. لهذا يرسمُ الشاعرُ فى قصائده صورًا غير موجودة، يخطف القمرَ ويضعه تحت وسادة حبيبته، يلضمُ النجومَ فى حبل ليصنع لها عقدًا، ويجرفُ السحابَ والغيماتِ بأظافره ليفرشَ بها الأرضَ تحت قدميها. كذلك الرسامُ الذى يخلق على اللوحة البيضاء عالَمًا خياليًّا، والموسيقىُّ الذى ينحتُ بموسيقاه كونًا مدهشًا من الخيال. وكذلك العالِمُ الذى يخترع ما لم يخطر على بال إنسان، ويحقق للبشرية ما كانت تظنه مستحيلا. إحدى أجمل العبارات وردت فى رواية الخيميائي لباولو كويللو: إذا حلمتَ بشىء وآمنتَ، تآمر الكونُ كلّه من أجل تحقيقه!.

الدينُ لله.. والوطن لمن يُكملُ بنقصه تمامَ الوطن.

twitter:@fatimaNaoot
×