الرئيسية | أهم الأخبار | إنضم لمجموعتنا الجديدة ليصلك كل الإخبار
إنضم للجروب أبحث
تطبيق الأقباط اليوم علي جوجل بلاى تابعنا على الفيسبوك تابعنا علي تويتر تابعنا علي إنستجرام إتصل بنا أبحث

البابا كيرلس.. التلميذ الأمين فى طريق الرب

د.مينا بديع عبدالملك - الدستور
| 07 ابريل 2021
بقلم د.مينا بديع عبدالملككنت قد تعرضت لإصابة فى قدمىّ، سببت لى آلامًا شديدة فى أثناء السير. وفى يوم الأحد، 28 مارس 2021، توجهت للصلاة بكنيسة صغيرة بالمستشفى القبطى بالإسكندرية- تلك التى أسسها البابا كيرلس السادس فى نحو عام 1960- فأخذت كرسيًا صغيرًا ووضعته بجوار الحائط فى آخر الكنيسة، وجلست عليه لعدم مقدرتى على الوقوف لمدة طويلة. وبينما أنا جالس مرت بجوارى سيدة فاضلة ومُحبة للخدمة الصادقة، فوجدتنى جالسًا، وربما كان يبدو على وجهى علامات الآلام، وكانت تحمل بيدها كتابًا صغيرًا عن البابا كيرلس السادس، ولسابق معرفتها بشدة علاقتى بالبابا كيرلس ومحبتى الصادقة له، أصرت أن تترك الكتاب معى، على أن أعيده إليها فيما بعد.

بعد انتهاء الصلوات، عدت إلى منزلى ثم أخذت أتصفح الكتاب وجدت فيه التلمذة الحقيقية التى عاشها الراهب مينا المتوحد، ثم البابا كيرلس السادس فى طريق الرب، وهو الموضوع الذى سوف أتناوله فى مقالى هذا.

فى فترة رهبنة الراهب مينا المتوحد البابا كيرلس فيما بعد أرسل برسالة لأحد تلاميذه، حدثه عن عمل النعمة فى حياة الإنسان- كرجل الله عاش فى نعمة الرب- قال له فيها: إنى سعيد جدًا، ولا يوجد شىء تحت السماء يقدر أن يكدرنى أو يزعجنى، لأنى محتمٍ فى ذلك الحصن الحصين داخل الملجأ الأمين، مطمئن فى أحضان المراحم، حائز على ينبوع التعزية من النعمة التى هى أم الكل التى فى كل وقت ترفرف بأجنحتها على الإنسان وتطرد عنه كل كدر وحزن وقلق، وتبلسم قلبه ببلسمها الذى لا يوصف. ما أحسن وما أجمل ترددها على القلب، تزيل منه كل هم من هموم الحياة، تظهر معونتها محسوسة لكى يتشجع ويتقوى جهاده، وإنه ليس بحرصه ولا بقوته يستطيع أن يقف فى الجهاد بل بمعونتها. هذه النعمة التى يدعوها الآباء القديسون مثل الأم التى تُعّلم وتدرب أبنها الصغير. عندما يبدأ فى المشى تبعد عنه قليلًا لكى يأتى إليها، وعندما يرى نفسه أنه سوف يسقط يبدأ فى البكاء ويمد يديه فتسرع إليه وتأخذه فى أحضانها وتُقبّله وتمسح كل دمعة من عينيه. كذلك النعمة الإلهية تفعل بالإنسان. وسط الجهاد تظهر أنها تبتعد عنه قليلًا لكى تدربه على السير فى طريق الفضيلة، وعندما يحزن أو يتضايق أو يضجر حالًا تُسرع إليه وتعزيه وتشجعه. يا لهذه المراحم العظيمة والنعم الوافرة التى يتمتع بها الإنسان من لدن نعمة الله. نتضرع إليه أن يديم نعمته ويحفظنا فى إيمانه ويجعلنا أن ندوس على كل شىء فى الوجود، متى نتحصل عليها وحدها الله قادر على كل شىء.

هكذا نرى كيف عاش الراهب مينا المتوحد- ثم البابا كيرلس- فى النعمة، وكيف كان ملتحفًا بها، وكيف صار معلمًا لأبنائه لكى يقتنوا النعمة ويحيوا بها فى حياتهم، فهى المساندة لهم فى جهادهم الروحى. ومن هنا نجد أنه فى عصره المبارك عاشت الكنيسة القبطية فى النعمة الحقيقية، فعاش الجميع فى حياة الفرح والسلام تحت رعاية أب ممتلئ من كل نعمة وقداسة وتقوى حقيقية.

كما أرسل برسالة خطها لأحد أبنائه الرهبان يقويه فيها ويشدد أزره، ويحثه على التمسك بالله، وتسليمه الكامل لكل أمور حياته، والاقتفاء بنهج الآباء الأولين، وألا يعتمد على فطنته. فقال له:

أيها الأخ العزيز كما وعدت محبتك أنا أكتب لك قليلًا عنه، أى الطريق التى بنعمة الله وعونه وإرشاده أسلك فيها. فقبل أن أبتدئ أعترف فى السر والعلن أن كل هذا هو فضل من آبائى وإخوتى الذين فى الدير. لأنى أقل وأحقر واحد فيهم، وهذا من كل قلبى وليس لأجل المرايا.

عزيزى.. أنا أعلم علم اليقين أن لك ايمانًا ثابتًا فى الرب وتعرف تمامًا أن كل شىء بإرادته وحده، وليس يحدث شىء فى الوجود إن لم يكن ذلك بإرادته وتدبيره. الله يعلم أن سعيى ليس عن دراية فى هذا الطريق لأننى لم أعرفها. نعم أن الآباء القديسين وضعوا لنا علامات، والذى يريد الوحدة يطلب من الله بلجاجة لكى يهيئ له من يرشده. ومنذ ثلاث سنوات كنت أطلب لكى يرشدنى فى هذا الطريق، ولكن لعدم المعرفة ولعدم الدراية تهيبنا وقبلنا طعنات كثيرة من العدو فى ضيق وكآبة، واستولى علينا اليأس وقطع الرجاء، وأحسسنا بالكآبة، وضنك جسمنا وهزل من كثرة أفكار الخوف التى حوربنا بها فى كل هذه المدة الطويلة، ولكن الله الرحوم الذى لا يشاء بأن يسقط الإنسان فى مثل هذه الأمور ساعدنى بيده القوية وأرشدنى إلى الطريق وفتح أمامى الباب. وهناك تنفست الصعداء مما لحقنى من جراء الأعداء، وأضاء عينى وأبصرت النور، وشعرت كم كنت فى الظلام والقتام. فابتهج قلبى وتهللت روحى وأخذت أرتل مع داود النبى: (إن قلت قد زلت قدمى فرحمتك يارب تهدينى، عند كثرة همومى فى داخلى تعزيتك تلذذ نفسى). فشكرًا وحمدًا للرب الأمين الصادق فى مواعيده الذى دائمًا يرعانا بعين عنايته، الذى يقودنا فى موكب نصرته، القائد الأعظم الذى أعطانا السلاح الكامل لنقدر نقف أمام الأعداء. الذى بدونه لا نقدر نفعل شيئًا. نسأل من جوده أن يكلل جهادنا بالفلاح والنجاح ويهب لنا القوة من لدنه حتى نكمل السعى حسنًا، وأخيرًا ننال ما أعده لنا، ليس لاستحقاقنا، بل بنعمته.

وهكذا كشف لنا من خلال رسائله الممتلئة من كل نعمة أن الرب قد أعده إعدادًا روحيًا، لأنه كان تلميذًا أمينًا فى طريق الرب. ومن محبة الله لكنيستنا القبطية العريقة أنه كان قد أعد لها فى الفترة 1959- 1971 راهبًا صالحًا مُعدًا إعدادًا صادقًا لقيادة شعبه بالروح والحق والتدبير الحسن. كان راعيًا حقيقيًا بالفعل وليس بالكلام.

فى فترة بطريركته المحبوبة تمتعنا بأبوته الفائقة ورعايته الحسنة فكان مثالًا حسنًا للراعى الصالح الذى أخبرنا عنه الكتاب المقدس الراعى الصالح الذى يبحث عن الخروف الضال، فكان يقف خلف أولاده حارسًا لهم بالصلاة الدائمة والنصائح الغالية. لم يتسلل الحقد والضغينة والبُغضة إلى نفس البابا كيرلس، ولم يحمل فى داخله أى عداوة للذين حاولوا أن يسيئوا إليه عن جهل!! حدث أن عزم فى نحو عام 1962 أن يزور القدس، وكان هذا بعد الطلب البابوى أن يعود جميع الرهبان الذين هم خارج أديرتهم إلى أديرتهم من أجل انتظام الحياة الرهبانية لأن الراهب خارج ديره مثل السمكة التى هى خارج المياه. فى تلك الفترة كان هناك راهب مقيم بالقدس، ففكر أن يسىء للبابا كيرلس. دبّر منشورًا مختومًا بأختام مزورة سجل فيه أنه أثناء زيارة البابا كيرلس للقدس تقابل مع مسئولين إسرائيليين! وكان هذا الموضوع كفيلًا بالاتهام بخيانة الوطن. ولكن لأن البابا كيرلس كان يحيا فى النعمة، ففى ليلة السفر أعلن للمحيطين به رغبته فى عدم السفر، ولم يعرف المحيطون به ولا الوفد المرافق السبب فى ذلك!! حدث فى الوقت المُعلن عن الزيارة أنه تم توزيع المنشور فى القدس!! وهنا تكشفت الكذبة الكبرى. وبعد التحريات توصلوا إلى مصدر هذا المنشور، وقاموا بالقبض على الراهب. لكن البابا كيرلس قال لهم بأبوة: اتركوه لأنه ابنى. هل توجد أبوة أروع من ذلك؟