Our App on Google Play Youtube Twitter Home أبحث الرئيسية

تفسير الاصحاح الرابع عشر من سفر صموئيل الثانى للقس انطونيوس فكرى

 أبشالوم يضغط على يوآب


أراد يوآب أن يكون هو الواسطة لمصالحة داود على إبنه أبشالوم، وكان دافعه:-

1- كان يعلم أن داود يحب إبشالوم جداً. مشتاقاً أن يرده إلى أورشليم ولكنه يخشى نقد الشعب لهُ، لهذا أوجد مجالاً للمصالحة أو على الأقل لرده إلى أورشليم، الأمر الذى يفرح قلب داود حتى وإن تظاهر بغير ذلك.

2- أدرك أنه وإن طال الزمن لابد وأن الأب سيصالح إبنه فقيامه بهذا الدور يكسبه صداقة الطرفين.

3- يعلم أن لإبشالوم شعبية كبيرة، فإن مات داود ينقسم الشعب على نفسه، كثيرون يريدونه ملكاً وآخرون يتشككون بسبب غضب والده عليه لقتله أمنون وبهذا يحدث شقاق.

4- رجوع إبشالوم قاتل أخيه وصفح داود عنه ينزع مشاعر الضيق من داود تجاه يوآب لقتله أبنير. ولقد إستخدم يوآب فى الأمر أرملة تحكى قصة تتطابق تقريباً مع قصة داود وإبشالوم وهو يعرف أن الملك سيسمعها فهو يعرف رقة قلبه تجاه الأرامل ويعرف أنه سيصدر حكماً بالعفو عن إبنها القاتل حتى لا تعدم الأثنين معاً فيكون قد عفا عن إبنه.

line

الآيات (1-8) :-
وعلم يواب ابن صروية أن قلب الملك على ابشالوم. فأرسل يواب إلى تقوع واخذ من هناك امرأة حكيمةوقال لها تظاهري بالحزن والبسي ثياب الحزن ولا تدهني بزيت بل كوني كامرأة لها أيام كثيرة وهي تنوح على ميت.

وادخلي إلى الملك وكلميه بهذا الكلام وجعل يواب الكلام في فمها. وكلمت المرأة التقوعية الملك وخرت على وجهها إلى الأرض وسجدت وقالت اعن أيها الملك. فقال لها الملك ما بالك فقالت أني امرأة أرملة قد مات رجلي. ولجاريتك ابنان فتخاصما في الحقل وليس من يفصل بينهما فضرب أحدهما الآخر

وقتله. وهوذا العشيرة كلها قد قامت على جاريتك وقالوا سلمي ضارب أخيه لنقتله بنفس أخيه الذي قتله فنهلك الوارث أيضا فيطفئون جمرتي التي بقيت ولا يتركون لرجلي اسما ولا بقية على وجه الأرض. فقال الملك للمرأة اذهبي إلى بيتك وأنا أوصي فيك.


فى الأية (7) يطفئون جمرتى: تشبه إبنها الحى بأنه جمرة تضطرم نار [وهكذا سُمّى داود فى (2صم17:21)] ولغاية فى نفوس العشيرة تود أن تطفئ الجمرة لتستولى على الميراث. هذا بالإضافة إلى أنه الإبن الوحيد الذى سيحمل أسم رجلها الميت. ولقد تراءف عليها داود جداً ووعدها أنه يوصى بها كى لا يموت إبنها آية (8).

line

آية (9) :-
فقالت المرأة التقوعيه للملك علي الآثم يا سيدي الملك وعلى بيت أبى والملك وكرسيه نقيان

علّى الإثم: هنا المرأة تعرف أن حكم الناموس يشترط قتل القاتل ولكنها حالة إستثنائية فهى تطلب العفو وعلى أن تكون هى المتحملة لإثم إلغاء الناموس وكان ذلك جائزاً من أجل الرحمة (تث13:9، 7:12) فالله رحمهم بالرغم من إستحقاقهم للموت بل باركهم. وعندئذ وعدها الملك بالعفو.

line

آية (11) :-
فقالت اذكر أيها الملك الرب إلهك حتى لا يكثر ولي الدم القتل لئلا يهلكوا ابني فقال حي هو الرب انه لا تسقط شعرة من شعر ابنك إلى الأرض.

لم تكتف بتوصية الملك وبوعده إذ تظاهرت بالخوف من ولى الدم لئلا يهلك دم إبنها. كل هذا لتستخرج عفواً شاملاً بقسم من الملك ولقد حصلت من الملك فعلاً على:-

‌أ- وعداً أن يوصى بها وبأمرها فيترفقوا بها (آية 8).

‌ب-الاّ يتعرض لها بأذية أى أحد (آية 10).

‌ج- العفو عن إبنها وحكم فورى لصالحه آية (11) بل وبقسم (آية 11).

line

الآيات (12-17) :-
فقالت المرأة لتتكلم جاريتك كلمة إلى سيدي الملك فقال تكلمي. فقالت المرأة ولماذا افتكرت بمثل هذا الأمر على شعب الله ويتكلم الملك بهذا الكلام كمذنب بما أن الملك لا يرد منفية.

 لأنه لا بد أن نموت ونكون كالماء المهراق على الأرض الذي لا يجمع أيضا ولا ينزع الله نفسا بل يفكر أفكاراً حتى لا يطرد عنه منفية. والآن حيث آني جئت لأكلم الملك سيدي بهذا الأمر لان الشعب أخافني فقالت جاريتك اكلم الملك لعل الملك يفعل كقول أمته.

لان الملك يسمع لينقذ أمته من يد الرجل الذي يريد أن يهلكني أنا وابني معا من نصيب الله. فقالت جاريتك ليكن كلام سيدي الملك عزاء لأنه سيدي الملك إنما هو كملاك الله لفهم الخير والشر والرب إلهك يكون معك.


هنا المرأة تفصح عن المقصود هو إبشالوم. وفى تشبيهها فهى شبهت الشعب بالأم المحبة لإبنها إبشالوم دون تجاهل للقتيل أمنون. والملك هو ولى الدم ومن حقه أن يطالب بالدم لكنه يلزم أن يترفق بشعبه الذى يطلب العفو عن إبشالوم.

وداود إستغل هذه القصة فهو يتوق لأن يعفو عن إبنه ويعود يراه. وفى آية (13) لماذا إفتكرت بمثل هذا الأمر على شعب الله: كأنها تقول إن كنت تتراءف على أرملة فتعفو عن إبنها القاتل فكم بالأولى أن تتراءف على شعب بأكمله. وواضح من الكلام أن الشعب كان يحب إبشالوم وقد برأه الشعب من دم أمنون لزنا أمنون مع أخته بل ربما رأوه بطلاً إذ إنتقم لشرف أخته وقتل الزانى.

 وقولها لماذا إفتكرت بمثل هذا الأمر على شعب الله أى لماذا أفتكرت هذا الفكر الردئ على شعب الله أنك حرمتهُ من إبشالوم الذى أحبوه. ويتكلم الملك بهذا الكلام كمذنب: أى موقفك هذا بأن تظل حارماً الشعب من إبشالوم يجعلك كمذنب. وعليك أن تدين نفسك عندما تصدر مثل هذا الحكم على إبشالوم. بما أن الملك لا يرد منفيه: أى أن خطأ الملك الذى يجعله مذنب أنه لا يريد أن يرد إبنه المنفى. وفى (14) لابد أن نموت: ربما قصدت أن أيامنا جميعاً قليلة للغاية فلنحتمل بعضنا بعضاً وليسامح أحدنا الآخر وهل موت إبشالوم سيرد الحياة لأمنون. والكل سيموتون.

 وكان أمنون لابد وسيموت حتى ولو لم يقتله إبشالوم وبالتالى عليك أن تصفح. وكلنا سنموت ولكن الله يدبر بشتى الطرق حتى لا يقطع عنهُ منفيه: بل يفكر أفكاراً حتى لا يطرد عنهُ منفيه ولا ينزع الله نفساً: وهذه العبارة حلوة جداً بل هى نبوة وتعبير يكشف عن فهم روحى دقيق لطرق الله ومحبته فالله لا يسر بموت الخاطئ مثل أن يرجع ويحيا (حز23:18) وحزقيال قال هذا بعد قول المرأة بمئات السنين. والله لم ينزع إبشالوم ويقتله فإن كان الله لم يعاقبه فلماذا يقتله الملك.

 ومحبة الله للإنسان جعلته يتجسد ويصلب حتى يردنا نحن المنفيين وحتى لا ينزع نفوساً. فقد كنا مستحقين الموت ولكن الله فكر أفكاراً (وهذه تشير للأقنوم الثانى عقل الله وقوته) حتى لا نبقى فى الموت. وربما أيضاً ذكرها للموت هنا فيه إستعجال للملك حتى يُسرع ويأتى بإبنه قبل أن يموت بلا صلح فلا أحد يضمن حياته.

بل فى قولها لا ينزع الله نفساً: تذكرة لداود أنه هو نفسه قد أخطأ فى موضوع أوريا ولم ينزع الله نفسه ويقتله بل سامحه وإن كان قد أدبّه. آية (15) لأن الشعب أخافنى: لم تكن لتزعج الملك بهذه الرواية لولا أنها خافت من الشعب وهى خائفة أن ترجع للشعب وهى قد فشلت فى إقناع الملك وهى الآن أتت لعّل الملك يسمع ويفعل كقول أمته فواضح أن الشعب متعاطف جداً مع إبشالوم ومجنون به وربما هى تلح أن الشعب قد يثور إن لم يرجع إبشالوم وفى (16) عادت للرمز مرة أخرى ومعنى الكلام أنها غامرت وثَقّلَتْ على الملك وهى تعلم أنها معرضة للعقاب إن هى أَزْعَجَتْ الملك وقد يعاقبها هى وإبنها أو ينفيها فتحرم من الميراث هى وإبنها وتضطر أن تعيش فى أرض غريبة وسط الوثنيين، ولكنها أتت واثقة أن الملك سيسمع منها وهى المرأة البسيطة ويلبى طلبها ولا يحرمها من ميراثها.

والكلام هنا عن حرمانها هى وإبنها يشير قطعاً لإبشالوم (هو الإبن) المحروم حالياً من أن يعيش وسط إسرائيل ووسط شعبه وها هو مضطر أن يعيش وسط الوثنيين ويشير لها كأم وهى رمز للشعب الذى لا يريد أن يُحرم من إبشالوم.

وهى تخيف داود بأن إبنه يعيش الآن وسط الوثنيين وربما تأثر بعاداتهم وديانتهم بل عودته ربما تقوده للتوبة. وقطعاً فالرجل الذى تتكلم عنهُ هو الملك نفسه: لينقذ أمته من يد الرجل وفى آية (17) ليكن كلام سيدى عزاء: أى ياليتنى أسمع كلمة مفرحة من سيدى وتوافقنى على طلبى وبحكمة ختمت المرأة حديثها بمدحها له: لأن سيدى إنما هو كملاك الله. صحيح أن يوآب هو الذى أرسلها لكن كل هذه الحكمة والكلام المملوء حباً بل رؤية نبوية ومعرفة روحية ليس كلام يوآب الدموى بل كلامها هى وهى تستحق كل مديح لحكمتها المملوءة إتضاعاً.

line

الآيات (18-24) :-
فأجاب الملك و قال للمرأة لا تكتمي عني امرأ أسألك عنه فقالت المرأة ليتكلم سيدي الملك. فقال الملك هل يد يواب معك في هذا كله فأجابت المرأة وقالت حية هي نفسك يا سيدي الملك لا يحاد يمينا أو يسارا عن كل ما تكلم به سيدي الملك لان عبدك يواب هو أوصاني وهو وضع في فم جاريتك كل هذا الكلام. لأجل تحويل وجه الكلام فعل عبدك يواب هذا الأمر وسيدي حكيم كحكمة ملاك الله ليعلم كل ما في الأرض. فقال الملك ليواب هانذا قد فعلت هذا الأمر فاذهب رد الفتى ابشالوم.

 فسقط يواب على وجهه إلى الأرض وسجد وبارك الملك و قال يواب اليوم علم عبدك أنى قد وجدت نعمة في عينيك يا سيدي الملك إذ فعل الملك قول عبده. ثم قام يواب وذهب إلى جشور وأتى بابشالوم إلى أورشليم. فقال الملك لينصرف إلى بيته ولا ير وجهي فانصرف ابشالوم إلى بيته ولم ير وجه الملك.


فهم داود أن وراء هذا الأمر يوآب والمرأة إعترفت بهذا وأمر داود يوآب أن يذهب ويأتى بإبشالوم على أن لا يراه 1- حتى لا يظهر داود أنه تهاون فى حق أمنون. 2- لكى يتضع إبشالوم ويتوب. 3- حتى لا يكتسب إبشالوم مزيداً من الشعبية وهو يريد أن يكون العرش لسليمان.

line

الآيات (25-27) :-
ولم يكن في كل إسرائيل رجل جميل وممدوح جدا كابشالوم من باطن قدمه حتى هامته لم يكن فيه عيب. وعند حلقه رأسه إذ كان يحلقه في أخر كل سنة لأنه كان يثقل عليه فيحلقه كان يزن شعر رأسه مئتي شاقل بوزن الملك. وولد لابشالوم ثلاثة بنين و بنت واحدة اسمها ثامار وكانت امرأة جميلة المنظر.

لم يمدح إبشالوم إلاّ فى جمال جسده الذى جذب قلوب الشعب. وكان شعره غزيراً جداً وجميلاً يدهنه بالأطياب ويُزَيّنهُ بالذهب (برادة الذهب) ممّا زاد فى جماله وزاد فى وزنه (وقد كتب يوسيفوس أن هذه عادة يهودية أن يرش الشعر ببرادة الذهب) وكان يحلق شعره سنوياً ويزنه (وهذه عادة دينية فلسطينية).

 كان جماله هو الذى أعطاه شعبية ولكنه كان بلا قداسة فلم ينفعه مديح الناس بل كان السبب فى هلاكه. هو يمثل من يفتخرون بأجسادهم (قوتها وجمالها) لأنه ليس عندهم سوى هذا يفتخرون به. شعر رأسه 200 شاقل بوزن الملك: هو وزن الشعر والأطياب والزيوت وبرادة الذهب. على أن الشاقل المستخدم مختلف عليه ممّا يجعل الـ 200 شاقل يتراوحوا بين 0.5 -  1.5 كجم. وتضيف السبعينية على أية (27) أن ثامار بنت إبشالوم كانت زوجة لرحبعام وأنجبت لهُ أبيا (هذا نفس كلام يوسيفوس).

line

الآيات (28-33) :-
وأقام ابشالوم في أورشليم سنتين ولم ير وجه الملك. فأرسل ابشالوم إلى يواب ليرسله إلى الملك فلم يشا أن يأتي إليه ثم أرسل أيضا ثانية فلم يشا أن يأتي. فقال لعبيده انظروا حقله يواب بجانبي وله هناك شعير اذهبوا واحرقوه بالنار فاحرق عبيد ابشالوم الحقله بالنار. فقام يواب وجاء إلى ابشالوم إلى البيت وقال له لماذا احرق عبيدك حقلتي بالنار.

 فقال ابشالوم ليواب هانذا قد أرسلت إليك قائلا تعال إلى هنا فأرسلك إلى الملك تقول لماذا جئت من جشور خير لي لو كنت باقيا هناك فالان أنى أرى وجه الملك وأن وجد في آثم فليقتلني. فجاء يواب إلى الملك واخبره ودعا ابشالوم فأتى إلى الملك وسجد على وجهه إلى الأرض قدام الملك فقبل الملك ابشالوم.


بقى إبشالوم عامين فى أورشليم دون أن يتعلم الإتضاع أو يقدم توبة وأستمر عنيفاً فى أعماقه. وأرسل يستدعى يوآب فلم يذهب لأن يوآب خشى أن يعرف داود ويغضب. وكان طلب إبشالوم إمّا أن يعفو داود عنهُ أو يقتله وهو عَرِفَ نقطة ضعف أبيه أنه لا يمكن أن يقتله، وهناك نقطة أخرى فداود خشى أن يشهر به إبنه فى موضوع أوريا. ونجح إبشالوم فى العودة إلى القصر للتخطيط لثورة ضد أبيه الملك وإغتصاب العرش.