القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

تحرك برلماني بشأن قرار الكويت بوقف تصاريح العمل للمصريين

حياه صموئيل - شخصيات الكتاب المقدس

"..فقال صموئيل تكلم لأن عبدك سامع"


(1صم 3: 10)

مقدمة

ما من شك بأن صورة الصبي صموئيل وهو يصلي، الصورة التي رسمها الرسام العظيم يشوع رينولدز تعد من أشهر الصور المألوفة بين الناس، والمنتشرة في كل مكان، وهي الصورة التي ترتبط في أذهان الناس

بهذا الصغير كما أسلمته أمه لله وللخلود، وما من شك بأن قصة صموئيل من أحلى القصص التي استخدمتها الأمهات في تربية أولادهن تربية صحيحة سليمة أمام الله والناس، ومن المعتقد أن سوسنة ويسلي

التي ولدت تسعة عشر طفلاً عاش عشرة منهم، علمت أولادها هذه القصص، وهم في بكورة الحياة، لعل واحداً منهم يمكن أن يكون صموئيل آخر، وقد شاء الله أن يخرج من هولاء الأولاد، لا واحداً فحسب بل

اثنين، يوحنا ويسلي، وأخاه تشارلس ويسلي، كان يوحنا ويسلي مؤسس الكنيسة "الميثودست" والمصلح العظيم، والكلمة "ميثودست" أطلقها في باديء الأمر الساخرون من يوحنا لما اتسمت به حركته من الدقة

البالغة والحرص الشديد على النظام، ولعله تعلم هذا من أمه التي ربت أولادها على خوف الله، وخدمة الآخرين، والعمل المنظم، كان يوحنا ويسلي الخامس عشر بين إخوته، ومع هذا العدد الكثير من

الأولاد فإن أمهم علمتهم جميعاً متى يستيقظون، ومتى ينامون، ومتى يأكلون، ومتى يخرجون، ومتى يلعبون أو لا يلعبون، وحتى البكاء أو الصراخ، فقد علمتهم ألا يرتفع صوت أحدهم فيه، وقد قيل أنه ليس

بينهم من صرخ بصوت عال بعد السنة الأولى من عمره، وعندما كان يبلغ الواحد منهم الخامسة من عمره كانت لا تتركه حتى يتعلم في يوم واحد الحروف الهجائية، ويتعلم في اليوم الثاني أن يقرأ: "في البدء

خلق الله السموات والأرض".. كان يوحنا في السادسة من عمره عندما نجا من حريق حدث في بيت كان فيه، وقالت أمه: لقد عزمت أن أعتني بنفس هذا الصبي الذي نجيته ليمتليء ذهنه بمباديء الديانة الحقيقية،.

وعندما ننظر إلى يوحنا ويسلي علينا ألا ننسى أمه سوسنة،.. وعندما تريد أن تعرف الكثير عن صموئيل العظيم الذي يعتقد البعض أنه الرجل الثاني في تاريخ الأمة الإسرائيلية بعد موسى، وأنه كما وصفه

دين استانلي: "جمع في شخصيته إلى درجة عظيمة صفات المحطم القديم، والمؤسس الجديد، كان لوثر، وألفرد العظيم، ويوحنا المعمدان، وبولس عصره".. من يكون هذا الرجل وما رسالته التي قدمها لجيله وللأجيال الأخرى التالية؟؟..

صموئيل من هو؟!!

كان صموئيل القاضي الخامس عشر من قضاة إسرائيل، كما كان النبي الأول من سلسلة الأنبياء التي تعاقبت بعد ذلك، وقد أخذته أمه من بكور الحياة إلى الهيكل حيث نما وترعرع هناك إلى جانب عالي

الكاهن ما بين الخامسة أو السادسة من العمر إلى الثانية والثلاثين حين مات عالي الكاهن. وأغلب الظن أنه عاش العشرين عاماً التالية، وهو يعد للنهضة التي جاءت بعد ذلك، ولحركة التحرير

التي قاد بها الأمة وهو في الثانية والخمسين من العمر، ومن المعتقد أنه خدم الشعب بمفرده أو مع شاول أربعاً وخمسين سنة، ومات في السادسة والثمانين من عمره. وإذا دققنا في صفاته وأخلاقه نلاحظ:

حياة النقاوة

كان صموئيل أشبه بالزهرة البيضاء النقية، تفتحت على الحياة في بيت تقي، وعندما ذهب إلى شيلوه حيث الجو الموبوء الملوث، أغلب الظن أن الولد اندفع برد الفعل أكثر إلى وأعمق الحياة المقدسة،.. وقد قيل إن

برنارد شو وهو صبي صغير رأى أباه يدخل البيت مترنحاً من السكر، فتعمق المنظر في نفس الصغير، وأصبح يكره -من كل قلبه ووجدانه- المسكر والخمر، فإذا خرج صموئيل من عند أمه، التي أرضعته لبان الحياة المقدسة،

وهي تعده لمستقبله العظيم، ليرى ابني عالي على ما بدا أمامه من قبح الحياة وبذاءة التصرف،.. وإذا امتد به الأمر ليرى ما تفعل الخطية من خراب في الأمة،.. فإن هذه كلها كانت من أهم العوامل التي جعلته من الصغر

يتعلم كيف يرفض الشر ويختار الخير، وإذا كان الله لا يمكن أن يتراءى إلا للقلوب المقدسة النقية، فإن الصبي الذي يأتيه الله وهو في الثانية عشرة من العمر- كما يقول اليهود على لسان يوسيفوس -لابد أن يكون نقي

القلب، ناصع السريرة: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله".. ونحن إذا تحولنا من هذا الصبي إلى الصبي الأعظم الذي قال لأبويه: "لماذا كنتما تطلبانني، ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي" ندرك كيف

يسعى الله إلى الصغار، ويهتم بهم، ويدعوهم إلى حياة القداسة والنقاوة، قبل أن تتعرض حياتهم للتلوث، وهم -فيما خلا الصبي المعصوم- قد لا ينجون من تراب الخطية، وأوحال الفساد، كلما تقدمت بهم الحياة أو ساروا مع الأيام!!..

حياة الذكاء

ومما لا شبهة فيه أن هذا الرجل كان من أذكى الناس على ظهر الأرض، ولا يمكن للأم أن تتركه في السنين الأولى من حياته، وبعد أن فطمته، إلا إذا كانت واثقة من قدرته على التمييز، ومع أننا لا نستطيع أن نحكم بالضبط

على سن الفطام، ففي الشرق وفي العصور القديمة، كانت هذه السن تتأخر، إلا أن الأم التي تعلم ولدها، ثم تطمئن على قدرة استيعابه وتمييزه للأمور المتخالفة، لابد وأن تكون يوكابد أخرى علمت موسى، ودفعته إلى قصر

فرعون، وكان من المستحيل أن تطغي التعاليم الوثنية على ذهنه، وقد وصلت شيلوه إلى ما يشبه قصر فرعون، عندما أرسلت حنة ابنها إلى هناك،.. كانت الرامة على بعد ثلاثة عشر ميلاً من شيلوه،.. وكانت الأم تصنع لابنها

جبة تقدمها في الذبيحة السنوية كل عام، لكني أعتقد أنها كانت حريصة على متابعة تقدم ابنها في النعمة والحكمة والقامة عند الله والناس، وإذا كان من المرجح أنه الرجل الثاني بعد موسى في التاريخ الإسرائيلي

فيبدو أن ذكاءه كان إلى حد ما قرين الذكاء الموسوي الذي تهذب بكل حكمه المصريين، على أنه ينبغي ألا نرد الذكاء هنا إلى مجرد القدرة العقلية الطبيعية عند الصغير، بل علينا أن نعلم أن هذا الصنف من الناس لابد

أن تسانده قدرة إلهية عجيبة، القدرة التي إذا قورنت بغيرها تبدو أشبه بقدرة دانيال والثلاثة فتية: "وفي كل أمر حكمة هم الذي سألهم عنه الملك وجدهم عشرة أضعاف فوق كل المجوس والسحرة الذين في مملكته".. إنه

يسيرون وراء ذلك الصبي العجيب الذي قيل عنه: "ولكن يعطيكم السيد نفسه آية، ها العذراء تحبل وتلد ابناً وتدعو اسمه عمانوئيل، زبداً وعسلا يأكل متى عرف أن يرفض الشر ويختار الخير" "وكل الذين سمعوه بهتوا من فهمه وأجوبته"..

حياة الطاعة

وما من شك بأن صموئيل من مطلع حياته عاش حياة الطاعة الكاملة،.. وكأنما يسير وراء الصغير الأعظم الذي سيأتي فيما بعد وقيل عنه: "ثم نزل معهما وجاء إلى الناصرة وكان خاضعاً لهما" وذهب الصبي صموئيل من

الرامة إلى شيلوه، ولست أعلم كيف ودعته أمه في هذه السن الباكرة من الحياة، ومما لا شك فيه أن هذا الوداع هز أعماق وجدانها،.. وكان خليطاً في قلبها بين الحنان والتكريس،.. لكني أهتز إعجاباً للصغير

الذي أطاع أمه، ليستقر بعيداً عنها، رغم مشاعر الطفولة العميقة التي تربط بين كل طفل وأمه،.. بل وهو يقبل نذر أمه وأبيه كذبيحة مربوطة إلى قرون المذبح،.. وهو أكثر من ذلك كان خاضعاً لعالي خضوعاً

مذهلاً، وما كان عالي بقادر على أن يلقنه الجواب للمنادي الكريم الذي يناديه باسمه في أعماق الليل ليقول: "تكلم يا رب لأن عبدك سامع" لولا أنه يعلم تماماً روح الطاعة التي جبل عليها، وتشربتها حياته

على نحو مذهل عجيب، وعندما سارت به الأيام، وطوحته السنون نحو الغروب قال لشاول الملك: "لأن التمرد كخطية العرافة والعناد كالوثن والترافيم".. كان صموئيل من مطلع الحياة إلى النهاية ممتلئاً بروح الطاعة!!..

حياة الوداعة

كانت الطاعة عند صموئيل بروح الوداعة والتواضع، عندما تركته أمه للخدمة -كانت خدمته فتح الباب، وإطفاء السراج، والإسراع وراء نداء عالي،.. كان "خادماً" بدأ سلم الخدمة من الدرجة الملتصقة

بالأرض،.. لم يأنف من أبسط الخدمات وأقلها، إنه أشبه بصبي المعلم في أيامنا هذه، وهل رأيت الصبي في الليل يقوم مرة ومرتين، ويذهب إلى عالي قائلاً: "ها أنذا لأنك دعوتني" دون أدنى تأفف أو

ضيق؟!!.. من الناس من يطيع إذ تصور أن الدعوة تطلبه للمهام العظيمة الخطيرة، ولكنه يرفض هذه الطاعة إذا جاءته في صورة عمل بسيط صغير كفتح باب أو إطفاء سراج، أو غسل أرجل كما رفض التلاميذ،

حتى قام الوديع الأعظم يغسل أرجلهم جميعاً حتى جاء إلى بطرس الذي ظنها مهانة لسيده لا يقبلها، إلى أن أدرك: “أتفهمون ما قد صنعت بكم أنتم تدعونني معلماً وسيداً وحسناً تقولون، لأني أنا

كذلك، فإن كنت وأنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض، لأني أعطيتكم مثالاً حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضاً، الحق الحق أقول لكم إنه ليس عبد

أعظم من سيده ولا رسول أعظم من مرسله. إن عملتم هذا فطوباكم إن عملتموه”.. وأية طوبى لصموئيل الصغير الذي ذهب في طريق الوداعة إلى الحد أنه يسمع صوت عالي في أعماق الليل لعمل عادي بسيط،..

وهو لا يدري أنه يصل بهذه الوداعة البسيطة إلى أعظم ما يدور بخيال الإنسان،.. إنه ليس عالي بل الله السرمدي الذي ينادي الصبي الصغير!!.. إن الوداعة تحمل دائماً جزاءها الكبير لصاحبها دون أن يدري!!..

حياة الشجاعة

وقد بلغ الذروة في الشجاعة، وهو يقاوم تأثير البيئة المدمر في شيلوه، وهل من اليسير على الصبي الصغير، وهو يرى التجربة تكتسح الجميع إلى الدرجة التي قيل معها: "لأن الناس استهانوا تقدمة الرب".. هل

من اليسير على هذا الصبي أن يصمد في المعركة وهو يرى المنشال ذا الثلاثة أسنان يعمل عمله عند طبخ اللحم في المرحضة أو المرجل أو المقلى أو القدر، وقد نشل به "صبي" آخر، هو صبي الكاهن، ما شاء من دسم

الطعام؟؟. وهل كان من اليسير عليه، وقد استوى عوده، وأصبح شاباً في قوة الشباب، والفجور يدخل إلى خيمة الاجتماع ذاتها، عندما كان أولاد عالي يضاجعون النساء المجتمعات في باب الخيمة؟؟ هل كان من

اليسير عليه أن يرفض مثل هذه الحياة الملوثة ما لم تكن له الشجاعة الأدبية العظيمة؟!! إنه صورة الشاب الذي يجد في وقت الهزل، ويسمو في وقت الصغار، ويترفع في منطقة الدنايا،.. كان صموئيل رجلاً عظيماً شجاعاً!..

حياة الصبر

كان في الثانية والثلاثين عند موت عالي أو حول ذلك، وقد ظل عشرين عاماً، يعد الأمة لمعركة التحرير، ولا يذكر الكتاب عنه الكثير في هذه الفترة،.. وأغلب الظن أنه كان يصارع في معركة أهم من تحرير الشعب من

الفلسطينيين، إذ كان يصارع في تحرير الشعب من الخطية والدنس،.. وكان هناك آية في الصبر والانتظار، ورجال الله هكذا على الدوام، لابد أن يتزودوا بالصبر الرهيب، وقد يسمح الله لهم بسنوات طويلة في الصحراء مع

موسى، وفي التشرد مع داود، وفي العربية مع بولس، ليبلغوا ما شاء الله أن يعطيهم من حياة الانتظار والسكينة والتسليم، ولم يخرج صموئيل عن القاعدة طوال عشرين سنة بعد موت عالي، إلى أن جاء آخر الأمر معركة التحرير!!..

حياة الصلاة

ومنذ تلك الليلة العتيدة التي استمع فيها إلى الله، ولذ له الاستماع، عرف الصغير طريقه إلى حياة الشركة المتعمقة مع الله،.. وقد كان لصموئيل في الصلاة رأي عجيب، إنها ليست علاقة بين الله والإنسان فحسب، أو لذة يلتذ

بها من يرفع عينيه إلى الله، أو ملاذاً يلجأ إليه المتضايق كلما ضاق بالحياة أو ضاقت الحياة به، بل إن الامتناع عنها خطية فظيعة لا يستطيع أن يرتكبها، وقد ظهر ذلك في قوله إلى الإسرائيليين عندما طلبوا منه أن يصلي

لأجلهم،، وكان جوابه: "وأما أنا فحاشا لي أن أخطيء إلى الرب فأكف عن الصلاة من أجلهم، بل أعلمكم الطريق الصالح المستقيم".. ونحن لا نستطيع أن نعرف إلى أي مدى بلغ الرجل في حياة الصلاة، غير أنه يمكننا القول إنه كان

واحداً من أبرز رجال الله في حياة الصلاة إلى الدرجة التي يجعله الله فيها مثلاً ظاهراً في الأجيال كلها، إذ يقول على لسان إرميا: "ثم قال الرب لي وإن وقف موسى وصموئيل أمامي لا تكون نفسي نحو هذا الشعب أطرحهم من أمامي فيخرجوا".

حياة العدالة

وإلى جانب هذا كله عاش صموئيل حياة العدالة على أسمى ما تكون من ضرب رفيع، كان قاضي الأمة وحاكمها لسنوات متعددة طويلة،.. وعندما جاء أمامها فرد يديه لكل الشعب قائلاً: "وأما أنا فقد شخت

وشبت وهوذا أبنائي معكم وأنا قد سرت أمامكم منذ صباي إلى هذا اليوم ها أنذا فاشهدوا عليَّ قدام الرب وقدام مسيحه ثور من أخذت وحمار من أخذت ومن ظلمت ومن سحقت ومن يد من أخذت فدية لأغض

عيني عنه فأرد لكم، فقالوا لم تظلمنا ولا سحقتنا ولا أخذت من يد أحد شيئاً".. وبعد أكثر من ألف عام جاء آخر يقول للأفسسيين نفس الشيء وهو يخطب فيهم خطبة الوداع: "فضة أو ذهب أو لباس أحد لم

أشته أنتم تعلمون أن حاجاتي وحاجات الذين معي خدمتهما هاتان اليدان".. أي صموئيل وبولس!، هل تسمحان لي وأنا واحد من أصاغر خدام الله، أن أقبل أيديكما، مصلياً إلى الله أن تكون لي ذات اليد

النظيفة حتى أغني مع داود: من يصعد إلى جبل الرب، ومن يقوم في موضع قدسه، الطاهر اليدين، والنقي القلب، الذي لم يحمل نفسه إلى الباطل ولا حلف كذباً "يحمل بركة من عند الرب وبراً من إله خلاصه"...

صموئيل وإعداده للخدمة

هذه الحياة، لم تولد بهذه الصورة بين يوم وليلة، بل كانت حصيلة أعداد بعيد عميق طويل لعل أظهره:

صموئيل وأمه

ولا حاجة إلى القول إن أم صموئيل كانت معلمه الأول الذي أعده وكرسه للخدمة المقدسة، وقد كانت حنة من أعظم السيدات اللاواتي ظهرن في التاريخ المقدس، في كل الأجيال، ويكفي أنك تراها في عمق الألم تقول

بلغة منتصرة لعالي الكاهن: "لا يا سيدي إني امرأة حزينة ولم أشرب خمراً ولا مسكراً بل أسكب نفسي أمام الرب، لا تحسب أمتك ابنة بليعال لأنه من كثرة كربتي وغيظي قد تكلمت إلى الآن"... لقد شربت المرأة عميقاً

من ينبوع النعمة الإلهية، وأعطت ابنها أيضاً معها فشرب!!... لقد تأثر صموئيل أبلغ التأثر بأمه الحبيبة، وما أجمل أن تقف الأم بهذه الصورة لتعد ابنها للرسالة العظيمة الموضوعة عليه من الله... لقد فعلت حنة

هذا،.. وفعلته أم يوحنا فم الذهب عندما دعت ولدها من الصغر "عارية"،.. وفعلته مونيكا أم أوغسطينس التي اكتسبت ولدها لله بصبرها ودموعها وصلواتها!!.. ألا ما أجمل ما يقول الكسندر هوايت بهذا الصدد: "لقد كانت

أم صموئيل تذهب عاماً بعد عام إلى شيلوه، وتصعد له الجبة التي تصنعها له، وتكبرها عاماً عن العام الذي سبقه، حتى أضحى رجلاً... وعندما مات صموئيل ووصل إلى السماء، وأرجعه الله إلى شاول ليدينه على خطاياه

وشره، عرف صموئيل بالجبة ذاتها!!.. وإن كانت هناك مصنوعة من نسيج نوراني أبدي عظيم!!.. على أي حال ما أسعد صموئيل بأمه.. ولو أن حفني وفينحاس كانا لهما أم مثل أم صموئيل "لما ضاع عالي، وولداه، وضاع الكهنوت من بيته!!..

سئل أحدهم: متى نبدأ تربية الطفل؟ فأجاب: قبل أن يولد بثمانين عاماً أي نبدأ بإعداد جده،.. وقال أحد الخدام: لقد ظللت أدرس مدى سبعة عشر عاماً، المنضمين إلى عضوية الكنيسة التي أقوم بخدمتها وكيف انضموا إلى عضويتها،

فرأيت أن ثلاثمائة وسبعة وعشرين من ثلاثمائة وأربعة وسبعين كان الأب أو الأم أو كلاهما معاً أتقياء مؤمنين، أما الباقون وقدرهم سبعة وأربعون فقد جاءوا من آباء غير مؤمنين، أو في معنى آخر أن واحداً مقابل سبعة جاء به

الله بعيداً عن التأثير البيتي، ومع أننا لا نستطيع أن نفرق بين تأثير الأب أو الأم، لكننا نعلم على أي حال أن تأثير الأم أوفى وأرجح. وقصص الكتاب المقدس خير شاهد على ذلك إذ أن أغلب القادة والملوك أو الأنبياء الذ ين

كان خلفهم الأم المقدسة والدافعة لابنها لمجد الله وخدمته.. وفي اختبارات مائة وعشرين خادماً كانوا مجتمعين مرة، وكانوا يتداولون ويتحدثون عن التأثير البيتي في حياتهم ذكر مائة منهم أنهم جاءوا إلى الله والخدمة عن طريق الأم!!..

كان جون راندلف من الأمريكيين المعاصرين الثورة الفرنسية، الثورة التي أخذتها في قوة وقت من الأوقات موجة من الإلحاد، وقد قال هذا الرجل الذي كان يشغل منصباً هاماً في بلاده إني أؤمن أن موجة الإلحاد الفرنسي، كان يمكن أن تكتسحني في طريقها لولا شيء واحد، وهو ذكرى تلك الأيام التي تعودت فيها أمي القديسة، أن تجعلني أركع إلى جوارها، وتمسكني بيدي، وتطلب إليَّ أن أكرر الصلاة الربانية!!...

في ذكريات إحدى الأمهات التي وجدت بعد وفاتها هذه العبارة: نهضت هذا الصباح مبكراً، وصليت من أجل أولادي طالبة أن يصبح الذكور منهم خداماً ومرسلين... وقد أجاب الله هذه الصلاة، إذ جعل أولادها الخمسة خداماً ومرسلين.. كما جعل من بناتها الثلاث شابات نشطات عاملات في الكنيسة التي كن يخدمن فيها!!...

عندما نذكر قصة صموئيل ينبغي ألا ننسى الأم التي قدمته لله ولمجده وخدمته!!..

صموئيل وعالي

لئن كانت حنة تكشف لنا عن الأثر الوراثي في الحياة الدينية، فإن عالي يعطينا صورة البيئة ومدى تأثيرها أيضاً في هذه الحياة،.. أصعدت حنة وزوجها ابنهما إلى شيلوه، وأخذا ثلاثة ثيران وايفة دقيقة وزق خمر،

وكان ثور من الثيران -ولا شك- الذبيحة العادية، والثور الثاني ذبيحة الشكر لأجل هذا الابن، والثور الثالث ذبيحة تكريس الابن وتقديسة للخدمة. واستلم عالي الولد وأحبه ولئن كان الزمام قد أفلت من يد هذا

الكاهن الشيخ في تربية ولديه حفني وفينحاس، إلا أنه لم يفلت في إعداد هذا الصبي لله، ومع أننا أشرنا إلى سمو روح عالي في هذا الشأن، عندما استعرضنا شخصية عالية ونحن ندرسها على انفراد، إلا أننا نعود فنكرر

أن عالي ارتفع فوق الحسد وكل عاطفة بشرية رخيصة، وهو يرى هذا الصغير، يأخذ مكانه ومكان و لديه،.. إلا أنه أحسن تربيته، وأعده كأجمل ما يكون الإعداد!!.. وسعيد الغلام الذي يجد إلى جانب أمه المعلم الطيب النافع العظيم!!..

صموئيل والاختبار الشخصي

ومهما تكن علاقة صموئيل بأمه أو بعالي، ومهما تكن الآثار المترتبة على تعاليمهما له، فإن الأثر الأعمق والأبعد، والذي لا يمكن أن يضيع مع الأيام، هو اللقاء الشخصي مع الله،.. عرف صموئيل

الله من سن مبكرة جداً، أو بالحري عرف الله وهو صبي غض صغير، تمتع بالولادة الجديدة في صبح الحياة، وكان يتزايد: "نمواً وصلاحاً لدى الرب والناس أيضاً"... وعندما جاء الرب إلى صموئيل وهو

في الثانية عشرة على الأغلب من العمر، كان من المؤكد أنه قد ولدا جديداً من الرب، وإن كان هو ذاته لا يدرك الرب بعد". وكم من الأولاد الصغار يولدون ولادة جديدة، وهم لا يدرون أن الله مس

حياتهم بالولادة المباركة، حتى يتكلم الله إليهم كلاماً واضحاً صريحاً مفهوماً!!.. وإذا نسى صموئيل في حياته كل شيء، فهو لا يمكن أن ينسى تلك الليلة الخالدة التي فيها تكلم الله وناداه:

صموئيل صموئيل ثلاث مرات متوالية، ومع أن الحديث في حد ذاته كان عن أولاد عالي إلى الدرجة التي خاف فيها صموئيل أن يخبر عالي بالرؤيا حتى أجبره على ذلك،.. لكنه الصوت الذي جاء إلى

صموئيل، ليؤكد له وجود الله، وكراهية الله العميقة للخطية، وعتابه القاسي لها،.. وفي الوقت عينه يفتح أمامه الطريق إلى الشركة الخصبة العميقة القوية مع الله حتى يقال: "وكبر صموئيل وكان

الرب معه ولم يدع شيئاً من جميع كلامه يسقط إلى الأرض وعرف جميع إسرائيل من دان إلى بئر سبع أنه قد ائتمن صموئيل نبياً للرب، وعاد الرب يتراءى في شيلوه لأن الرب استعلن لصموئيل في شيلوه بكلمة الرب"...

صموئيل والإصلاح الداخلي

لم تكن معركة صموئيل الأول مع الفلسطينيين، بل مع الخطية والشر، وقد عاش صموئيل عشرين عاماً بعد موت عالي يعد بلاده ومواطنيه للنهضة الحقيقية، والإصلاح الداخلي، وقد بدأ هذا الإصلاح

أولاً بالألم إذ: "ناح كل بيت إسرائيل وراء الرب"... والإصلاح لا يمكن أن يأتي إلا بالألم والنوح والبكاء على الخطية، وقد بدا هذا شعوراً حاداً عند الشعب، أليست خيمة الاجتماع في شيلوه

مهملة، وتابوت العهد في بيت أبيناداب على الحدود، والحياة الروحية راكدة تبعث على الضيق والألم والقلق؟؟... ولن تحدث نهضة روحية على الإطلاق، قبل أن يضيق الناس بالحياة التي يحيونها بعيداً عن الله...!!.

وكانت الخطوة الثانية: نزع الأصنام، إذ نزع الإسرائيليون البعليم والعشتاروث التي أخذوها عن الوثنيين حولهم، والتي أغرقتهم في الشهوات والآثام والبعد عن الله، إذ كانت مبادئها تلهب

إحساساتهم وتثير فيهم أحط الغرائز وأدناها،.. ولا يمكن أن تأتي النهضة في كل جيل إلا إذا حطمنا الأصنام التي تربطنا بالعالم وشهوته وفجوره ثم كان الأمر بعد ذلك "إعداد القلب" وما نزع

الأصنام إلا الجانب السلبي من موقف الإنسان من العالم والخطية، أما إعداد القلب فهو الجانب الإيجابي الذي يأتي بالتأمل والعزم واختيار الله، ولهذا طالب صموئيل الإسرائيليين أن يعدوا

قلوبهم للرب، ويعبدوه وحده،.. وقد جاء المرنم القديم بعد هذا ليدرك حكمة الاتجاه المركز نحو الله عندما قال: "وحد قلبي لخوف اسمك"... ثم طلب صموئيل أكثر من ذلك، إذ دعى إلى "الرابطة الروحية"،

ولهذا جمع الأمة في المصفاة لتصلي أمام الله في وحدة روحية رائعة.. والإصلاح الحقيقي هو الذي يتجاوز الفرد والأسرة ليشمل أبناء المتفرقين ليجمع شملهم في وحدة واحدة!!... وهذه الرابطة

الروحية لابد أن تجتمع في حزن وتوبة وصوم،.. وكانت صلاة الإسرائيليين مصحوبة بالصوم، والصوم في حد ذاته، ليس مجرد إذلال جسدي، بل هو أكثر من ذلك، إذ هو تفرغ النفس المنكسرة، وهذا ما فعله

الإسرائيليون إذ صاموا وسكبوا هناك ماء دليل القلب المسكوب التائب، وكما لا يرجع الماء المهراق مرة أخرى فهكذا هم بذات المعنى تعهدوا ألا يرجعوا إلى آثامهم وخطاياهم وشرورهم، وفسادهم، والآلهة الغريبة التي عبدوها!!..

صموئيل والطريق الدائم إلى النصر

عندما اجتمع الإسرائيليون في المصفاة، رأى الفلسطينيون في هذا التجمع نوعاً من الثورة والتمرد،.. وأرادوا القضاء على هذه الثورة على وجه الباغتة والمفاجئة، وظهروا فجأة أمام المجتمعين

للصلاة، وكان الإسرائيليون أعجز وأضعف من أية مواجهة، وكان سلاحهم الأول والأخير الصراخ إلى الله،.. فطلبوا من صموئيل أن يصرخ إلى الله من أجلهم، وقدم صموئيل حملاً رضيعاً، وأصعده محرقة

بتمامه إلى الله دليل التسليم الكلي والخضوع التام للمشيئة الإلهية، وإذ تقدم الفلسطينيون للمعركة، أرعدت السماء وصبت الصواعق على رؤوسهم ليعلم الجميع أن النجاة والنصرة من الله، وليست

نتيجة جهد بشري، بل هي بالأحرى نتيجة الصلاة، ونصب صموئيل على الطريق بين المصفاة والسن حجراً أطلق عليه حجر المعونة، وقال عبارته المشهورة: "إلى هنا أعاننا الرب"- أيها السالك في الطريق في

أرض الأحياء، هل استطعت أن تنصب مثل هذا الحجر؟.. وهل أردكت ماذا تعني هذه الكلمات؟؟، إنها -إن تحدثت- فإنها تتحدث أولاً وقبل كل شيء عن أن سر النجاة أو الحرية أو النصرة يرجع في حياة المؤمن إلى

"المعونة" الإلهية... هكذا قالها يعقوب في أخريات حياته وهو يبارك ابني يوسف: "الله الذي رعاني منذ وجودي إلى هذا اليوم" وقالها بولس أمام أغريباس: "فإذ حصلت على معونة من الله بقيت إلى هذا اليوم

شاهداً للصغير والكبير، ولن ينجح الإنسان في معركة واحدة في الحياة بدون الله.. على أنه في الوقت ذاته لا نجاح على الإطلاق بدون الجهد البشري لأن الكلمة "أعاننا" تشير إلى إنسان يجاهد في الوقت

الذي ينتظر فيه معونة الرب،.. على أن الأمر أكثر من ذلك، إذ أن الكلمة "إلى ههنا" تعني أن المعركة ليست واحدة. بل هي معركة تتلوها معارك أخرى متعددة، طالما نحن أحياء على الأرض،.. أو في لغة أخرى:

إنه ليس وقوفاً عند الماضي متحجرين، بل هو انطلاق إلى الحاضر والمستقبل على طريق النصر!!.. وهو آخر الكل وثبة الإيمان الشاكر لله في الحياة، فكلما وقع الإنسان في أزمة، كلما وقف بذكراه أمام

الحجر، الذي ينطق، بأن الله هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد،... وما حدث في الماضي عربون دائم لما يمكن أن يحدث في الحاضر والمستقبل أيضاً أمام أزمات الحياة.... وليكن هتافنا على الدوام: يعظم انتصارنا بالذي أحبنا!!..

صموئيل والحساب الختامي

كنت أتمنى أن يفتننا يشوع رينولدز بصورة أخرى عن صموئيل، إلى جانب صورته العظيمة عن الصبي المصلي، وكنت أتمنى أن يعطينا صورة الشيخ العظيم في الجلجال، كما أعطانا صورة الصبي النقي في خيمة الاجتماع في شيلوه،.. إنه من

الحسن جداً أن نرى الصورة الأولى، ونحن في الخطوات المبتدئة من الحياة، حيث البراءة والنقاوة والبساطة التي تملأ حياتنا كأطفال، لكن ربما الأجمل والأعظم عندما نقف باليد النظيفة والحياة الباذلة كما وقف صموئيل عند

تتويج الملك شاول في الجلجال!!.. هناك نراه في جمال الغسق عند الغروب،.. قد نجده فقير اليد، متهدم الجسم، خشن الثياب،.. لكنه كان كالآخر الذي يبدو أن غطاءه كان خفيفاً، وهو يقترب من النهاية الأرضية فكتب إلى ولده أن يبادر

بالمجيء إليه قبل الشتاء، ولعله لا ينسى الرداء الذي تركه في ترواس،.. عندما ترك يوحنا ويسلي عالمنا، كانت تركته كما يقولون.. طبقاً وملعقتين والكنيسة الوسيلة، وفي الحساب الختامي نرى صموئيل لم يأخذ شيئاً من أحد بشهادة الأمة كلها!!.

هل سار هؤلاء جميعاً وغيرهم من أعظم الأبطال وراء ذلك الذي -وهو رب السماء والأرض،.. لم يجد في مولده سوى المذود، وفي سيره في الطريق قال: للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكار، أما ابن الإسنان فليس له أين يسند رأسه، وفي موته لم يكن له حتى المقبرة التي يدفن فيها، ووجدوا له مقبرة الرامي لتضمه ثلاثة أيام!!..

يا للحياة القريبة، التي تعطينا اليقين أنه ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، إنما بالجهاد الأمين الناجح، حتى يمكن أن تنتهي إلى القول: "جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان، وأخيراً قد وضع لي إكليل البر الذي يهبه لي في ذلك اليوم الرب الديان العادل، وليس لي فقط بل لجميع الذين يحبون ظهوره أيضاً

احذروا.. البلوجر ندي الشافعي تعثر على فأر صغير نافق في علبة كشري محل شهير - صور

تنويه : المواضيع والمقالات في هذا القسم تمت إضافتها بواسطة الاعضاء وليس إدارة الموقع .. اذا لاحظت موضوع او مقال لايليق او يتعارض مع إحترام الحريات والأديان.. من فضلك إخبرنا بذلك و إتصل بنا لعمل اللازم.