القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

جريمة التحرش: خطر يهدد المجتمع

بقلم هاني صبري لبيب

إن واقعة تعرض الشابة مريم شوقي عبد الهادي للتحرش داخل إحدى وسائل النقل العام، وما تبعها من ضبط المتهم سريعًا، أعادت إلى الواجهة حقيقة قانونية لا تقبل الجدل، وهي أن جريمة التحرش لم تعد سلوكًا اجتماعيًا منحرفًا فحسب، بل أصبحت جريمة جنائية مكتملة الأركان، حظيت بتدخل تشريعي صارم ومتدرج من المشرع المصري، إدراكًا لخطورتها البالغة على الأمن المجتمعي والسلامة النفسية والجسدية للأفراد.

جريمة التحرش: خطر يهدد المجتمع

أن التحرش الجنسي جريمة خطيرة تهدد المجتمع وتتمثل في القيام بكل قول أو فعل أو إشارة تتصف بمداول جنسي، ويُمارس هذا الفعل من شخص تجاه شخص آخر. ويمس جسده أو عرضه، أو يقوم هذا الفعل على خدش حيائه بأي وسيلة كانت،

وتبدأ جريمة التحرش من الإيذاء النفسي للشخص الأخر عن طريق التحرش به لفظيًا أو تلميحات مبتذلة، ومن الممكن أن يصل للإيذاء الجسدي للشخص المتحرش به، وإن جريمة التحرش من الناحية القانونية تختلف باختلاف الواقعة.

تُعرَّف الجريمة على أنها أي شخص يرتكب فعلًا غير لائق أو موحيًا جنسيًا أو يدلي بتعليقات جنسية صريحة من أجل مضايقة أو إزعاج شخص آخر.

ويمكن أن يحدث التحرش الجنسي في مجموعة متنوعة من الأماكن، من مكان العمل إلى المدرسة إلى الأماكن الخاصة.

من ثم فإن التحرش ليس فعلًا عابرًا أو مزاحًا ثقيلًا، بل هو اعتداء على الحرية الشخصية وحرمة الجسد وكرامة الإنسان، وهي حقوق مصونة دستوريًا.

فقد كفل الدستور المصري في المادة (51) صون الكرامة الإنسانية، وأكدت المادة (60) حرمة الجسد وعدم جواز الاعتداء عليه أو تشويهه، وهو ما يشكل الأساس الدستوري لتجريم كل سلوك ينال من جسد الإنسان أو حيائه أو سلامته النفسية.

يظن الكثيرين علي خلاف الحقيقة أن التحرش غير مجرم وهذا غير صحيح علي الإطلاق. يعتبر التحرش الجنسي جريمة وفقا للقانون المصري، وفقاً للمواد (306 مكرر ًا "أ") و (306 مكررًا "ب" - فقرة ثانية) و (309 مكررًا "ب" - فقرة ثالثة) من قانون العقوبات، يتطلب

لتوافرها ركنين مادي ومعنوي، حيث نصت المادة 306 مكررًا (أ) من قانون العقوبات على تجريم التعرض للغير بإتيان أمور أو إيحاءات أو تلميحات جنسية أو إباحية، سواء بالقول أو الإشارة أو الفعل، وبأي وسيلة كانت، بما في ذلك الوسائل الإلكترونية.

ويُستفاد من هذا النص أن الجريمة تقوم على أي سلوك يحمل مدلولًا جنسيًا يخدش حياء المجني عليه أو ينتهك خصوصيته أو يسبب له ضيقًا أو انزعاجًا ذا طبيعة جنسية، دون اشتراط وقوع تماس جسدي.

الركن المادي في الجريمة يتحقق بكل فعل أو قول أو إشارة ذات دلالة جنسية، وهو ركن مرن يتسع للصور المستحدثة، سواء كان التحرش لفظيًا، كالتعليقات الجنسية، أو فعليًا، كالتتبع والملاحقة، أو بالإيماءات الجسدية، أو عبر الرسائل والصور الإلكترونية.

أما الركن المعنوي فيتمثل في القصد الجنائي العام، أي علم الجاني بطبيعة فعله وإرادته ارتكابه رغم إدراكه لما ينطوي عليه من مساس بالحياء والحرمة الشخصية.

تجدر الإشارة إلى إن المشرع لم يفرق بين الأماكن العامة أو المطروقة وبين الأماكن الخاصة وساوى بينهم حيث أصبح التعرض للغير يتساوي سواء أكان فى مكان عام أو خاص دونما تفرقة، وأن جريمة التحرش الإلكتروني لا تختلف عن جريمة التحرش بشكل مباشر.

جدير بالذكر أن التحرش الجنسي لا يجب أن يكون ذا طبيعة جنسية صريحة ؛ يمكن أن تستند أيضًا إلى الإيحاءات اللفظية.

إذ يجب أن تتوافر في الضحية المتضرر من التحرش إدلة إثبات بوقوع الضرر سواء شهود أو مكالمات هاتفية أو صور أو رسائل الكترونية.

مع ازدياد التقدم التكنولوجي تطورت أشكال التحرش لينتقل من المجتمع الواقعي إلى المجتمع الإلكتروني، وأصبحت وسائل التواصل الإلكترونية أرضًا خصبة لما يعرف بظاهرة التحرّش الإلكترونيّ، وقد استوعب النص القانوني ذلك صراحة، حين أدخل وسائل

الاتصالات السلكية واللاسلكية والإلكترونية ضمن نطاق التجريم. فإرسال صور خادشة، أو رسائل ذات طابع جنسي، أو ملاحقة الضحية عبر المنصات الرقمية، كلها أفعال تقوم بها الجريمة، ويكفي أن يكون من شأنها المساس بالحياء أو إحداث ضيق ذي طبيعة جنسية.

وعلى ذلك يمكن التفرقة بين التحرش في المجتمع الواقعي والتحرش الإلكتروني، حيث إن الأول مادي، والثاني رمزي لا يحدث فيه انتهاك للجسد، بجانب تخفي فاعله وينبغي أن يكون هناك تدخل فعلي لمنع محاولات التحرش الإلكترونية، وأن يكون هذا التدخل على قدر الحدث حتى لا يتجرأ المتحرش على تكرار أفعاله.

وقد شدد المشرع العقوبة تشديدًا ملحوظًا، فنصت المادة ذاتها بعد تعديلها على الحبس مدة لا تقل عن سنتين ولا تجاوز أربع سنوات، وغرامة تصل إلى مائتي ألف جنيه. وترتفع العقوبة إذا ارتكبت الجريمة في مكان العمل أو في

إحدى وسائل النقل أو من شخصين فأكثر أو إذا كان الجاني يحمل سلاحًا أو تكرر الفعل بالملاحقة والتتبع، وهي ظروف مشددة تعكس إدراك المشرع لخطورة استغلال أماكن يفترض فيها الأمان أو استغلال القوة العددية أو المعنوية.

أما إذا اقترنت الجريمة بسلطة للجاني على المجني عليه، كأن يكون من ذوي السلطة الوظيفية أو الأسرية أو الدراسية، أو ممن لهم إشراف عليه، فإن الفعل يرتقي إلى صورة أشد جسامة وفق المادة 306 مكررًا (ب)، حيث تصل العقوبة إلى السجن المشدد، ما يدل على أن المشرع اعتبر استغلال السلطة ظرفًا ينال من إرادة المجني عليه ويضاعف خطورة الفعل.

كما قد تتداخل هذه الأفعال مع جرائم أخرى، كتهديد المجني عليه أو انتهاك حرمة الحياة الخاصة أو الابتزاز، أو التنمر فتتعدد الجرائم بتعدد الأفعال.

إثبات جريمة التحرش لا يتوقف على شهادة الشهود فحسب، بل يقبل القانون وسائل الإثبات كافة، ومنها التسجيلات، والرسائل الإلكترونية، والصور، وتقارير الفحص الفني، وهي وسائل أصبح لها دور محوري في الجرائم ذات الطابع الإلكتروني.

نري المعالجة القانونية للظاهرة لا تقتصر على العقاب، بل تشمل الردع العام والخاص، وتفعيل آليات الإبلاغ الآمن، وتدريب القائمين على إنفاذ القانون على التعامل الحساس مع الضحايا، وضمان سرية الإجراءات،

وعدم تعريض المجني عليه لوصم اجتماعي أو ضغوط تمنعه من الإبلاغ. كما يتطلب الأمر دورًا توعويًا من المؤسسات التعليمية والإعلامية لترسيخ مفهوم أن التحرش جريمة تمس الكرامة والحرية، وليس سلوكًا يمكن التهاون معه.

أن المشرع المصري انتقل بجريمة التحرش من دائرة السلوك المعيب اجتماعيًا إلى نطاق الجريمة الخطيرة المشددة العقوبة، مستندًا إلى حماية دستورية للكرامة والحرمة الجسدية، وموسعًا نطاق التجريم ليشمل الواقع المادي والفضاء الإلكتروني على السواء. والتطبيق الحازم للنصوص، مقرونًا بالتوعية المجتمعية، هو السبيل الحقيقي لمواجهة هذه الظاهرة وصون أمن المجتمع وكرامة أفراده.

هاني صبري لبيب - أقباط متحدون
09 فبراير 2026 |