القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

لا للطلاق بلا سبب: مطالب بتقنين أسباب الطلاق

بقلم هاني صبري لبيب

يُلاحظ في السنوات الأخيرة تصاعد معدلات الطلاق بصورة مقلقة، وهو ما يكشف عن خلل تشريعي وتنظيمي في معالجة مسائل الأحوال الشخصية، لا سيما بالنسبة للمصريين المسيحيين، حيث لم ينجح التنظيم القانوني القائم في تحقيق التوازن بين احترام الخصوصية العقدية للشريعة المسيحية وبين توفير حلول منضبطة للمنازعات الزوجية، فترك فراغات تشريعية استُغلت في التحايل على القانون.

لا للطلاق بلا سبب: مطالب بتقنين أسباب الطلاق

وقد أفرز التطبيق العملي صورًا خطيرة من الالتفاف على القواعد الواجبة التطبيق، تمثلت في لجوء بعض المتقاضين إلى تغيير الملة أو الطائفة، بقصد الإفلات من أحكام الشريعة المسيحية وإخضاع النزاع لأحكام الشريعة الإسلامية التي تجيز الطلاق بإرادة أوسع. هذا السلوك لا يمثل مجرد تحايل إجرائي من قبل المسيحيين، بل يشكل انحرافًا في استعمال الحق، واصطدامًا بمبدأ استقرار المراكز القانونية.

حيث إن الأساس الدستوري في هذا الشأن قاطع؛ إذ نصت المادة (3) من الدستور المصري الحالي على أن مبادئ شرائع المصريين من المسيحيين المصدر الرئيسي للتشريعات المنظمة لأحوالهم الشخصية، وهو نص مُلزم للمشرّع التزامًا موضوعيًا، فلا يجوز له سن تشريع يسمح عمليًا بإهدار جوهر الشريعة المسيحية أو التحايل عليها بطريق غير مباشر .

ويتعين على كافة السلطات المختصة إعمال نص الدستور وهو ما استقر عليه قضاء محكمة النقض منذ عام 1980م من مبادئ هامة والتى تضمنت أن النصوص الدستورية تتمتع بالإنقاذ الفورى والمباشر، منذ العمل بأحكام الدستور وما يخالفها من نصوص تشريعية تعبير

منسوخة ضمنا بقوة القانون دون حاجة لانتظار قضاء دستورى أو تعديل تشريعى، وأوجبت بذلك إهدار مواد القانون التى تتعارض مع النصوص الدستورية سابقة كانت أم لاحقة على صدوره باعتبار الدستور القانون الأسمى والأعلى صاحب الصدارة على المدرج التشريعى.

كما أن المادة (10) من الدستور تقرر أن الأسرة أساس المجتمع، وتلتزم الدولة بالحفاظ على تماسكها واستقرارها، وهو ما يضفي على تنظيم الطلاق بُعدًا من أبعاد النظام العام الدستوري، لا مجرد تنظيم مدني خاص.

القصور التشريعي القائم يتمثل في أن المنظومة الحالية لم تُحكم ضبط مسألة القانون الواجب التطبيق حال اختلاف الملة أو الطائفة، وفتحت ثغرات إجرائية استُغلت لإفراغ النص الدستوري من مضمونه.

هذا القصور التشريعي لا يظهر في نص واحد، بل في غياب منظومة متكاملة تمنع التحايل وتحدد الأسباب على سبيل الحصر وتمنع التلاعب بالوصف القانوني للعلاقة.

مشروع قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين، يُثار اتجاه لدى بعض الطوائف المسيحية إلى التوسع في أسباب إنهاء الرابطة الزوجية تحت مسميات مثل: “استحكام النفور”، أو “استحالة

العشرة”، أو “الضرر الأدبي أو النفسي”، أو “الهجر المعنوي”، أو “الإخلال الجسيم بالواجبات الزوجية” بصياغات فضفاضة. هذه الأسباب – وإن بدت اجتماعيًا مبررة – تفتقر إلى

الضبط الموضوعي والمعياري، وتقوم على تقديرات نفسية وشخصية متغيرة، ولا تجد سندًا في الفلسفة الجوهرية للشريعة المسيحية التي حصرت الفُرقة في نطاق استثنائي ضيق يرتبط بجوهر

الأمانة الزوجية أو تغيير العقيدة. إدخال مثل هذه الأسباب بصياغات عامة يؤدي عمليًا إلى تحويل الطلاق من استثناء إلى أصل، وهو ما يصادم النص الدستوري من حيث المضمون، لا من حيث الشكل فقط.

كما أن بعض الطوائف المسيحية لم تُميز بدقة بين الطلاق والانحلال والبطلان، بما سمح باستخدام مسميات قانونية لإدخال أسباب للطلاق لا تقرها الشريعة المسيحية.

ومن الناحية القانونية البحتة، فإن ضبط المصطلحات أمر جوهري حتى لا يُستخدم التلاعب اللفظي كمدخل للالتفاف على الحظر الموضوعي. فالطلاق هو حل رابطة زواج نشأ صحيحًا مستوفيًا أركانه وشروطه، ويترتب عليه إنهاء الرابطة بالنسبة للمستقبل مع بقاء الآثار السابقة.

أما الفسخ أو الانحلال بحكم قضائي، فهو إنهاء للرابطة لسبب جوهري، دون إنكار قيام الزواج صحيحًا عند نشأته.

في حين أن بطلان الزواج يعني قانونًا أن العقد وُلد ميتاً فاقدًا لشرط جوهري من شروط صحته، فيُعد كأن لم يكن منذ البداية. الخلط المتعمد بين هذه المفاهيم، وتوسيع نطاق ما يسمى “الانحلال” لإدخال أسباب موضوعية لا تقرها الشريعة المسيحية تحت مسميات مختلفة، يمثل تحايلًا يفرغ القيد العقدي من مضمونه، ويؤدي عمليًا إلى إقرار طلاق مقنّع.

المادة ( 317) من القانون رقم 1 لسنة 2000، حين قيّدت تطبيق الشريعة المسيحية باتحاد الزوجين في الملة والطائفة، كانت تهدف إلى تحديد القانون الواجب التطبيق، لكنها في التطبيق العملي تحولت إلى منفذ استُخدم للتحايل عبر تغيير الملة أو الطائفة صوريًا للحصول على الطلاق.

هذا الاستخدام يخل بمبدأ حسن النية في استعمال الحق، لأن القواعد المنظمة للأحوال الشخصية ليست مجرد قواعد خاصة، بل تمس النظام العام الأخلاقي والاجتماعي. لأنه يغيّر وصف العلاقة القانونية استنادًا إلى واقعة صورية.

التنظيم التشريعي السليم يقتضي أن يظل الطلاق بالنسبة للمسيحيين في أضيق نطاق، متسقًا مع جوهر العقيدة، وأن تُحصر أسباب البطلان على سبيل الحصر في تخلف الشروط الشكلية والموضوعية للزواج من حيث الأهلية والرضا وانتفاء الموانع والغش، وألا يُستخدم نظام البطلان أو الانحلال كبديل مقنّع للطلاق.

الزواج في المفهوم المسيحي سرّ مقدس وعهد دائم، ويؤكد الكتاب المقدس هذا المفهوم بعبارات قاطعة: «فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان» (متى 19: 6)، و«لأني أكره الطلاق قال الرب» (ملاخي 2: 16)، و«مَنْ طلق امرأته إلا لعلة الزنا يجعلها تزني» (متى 5: 32)، و«وأقول لكم إن مَنْ طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني» (متى 19: 9)، و«كل من يطلق امرأته ويتزوج بأخرى يزني» (لوقا 16: 18).

هذه النصوص لا تضع مجرد ضوابط أخلاقية، بل ترسم فلسفة تشريعية كاملة جوهرها دوام الرابطة وحصر الفُرقة في أضيق الحدود.

كما أن حظر التعدد يُعد نتيجة لازمة لطبيعة الزواج المسيحي، ويترتب على مخالفته بطلان الزواج اللاحق لقيامه على علاقة لا يقرها النظام العقدي.

من المنظور الاجتماعي، فإن الطلاق لا يمثل حلًا بسيطًا للنزاعات، بل غالبًا ما يكون مدخلًا لسلسلة من المنازعات القضائية الممتدة بشأن النفقة والحضانة والرؤية وغيرها، ويخلّف آثارًا نفسية عميقة على الأطفال، ويضعف الإحساس بالأمان الأسري، بما ينعكس على الاستقرار المجتمعي العام.

من ثم، فإن مشروع القانون يجب أن يُراعي عدة أسس قانونية منضبطة: حصر أسباب الطلاق في نطاق استثنائي ضيق متسق مع جوهر الشريعة المسيحية، حصر أسباب البطلان على سبيل الحصر، غلق باب التحايل بتغيير الملة أو الطائفة وإلغائها تماماً، كما يجب النص صراحة على أن القواعد المنظمة لزواج المسيحيين من النظام العام، بما يمنع الاتفاق على ما يخالفها.

إن التوسع غير المنضبط في أسباب الطلاق بالنسبة للمسيحيين بدعوى التيسير لا يحقق مصلحة حقيقية، بل ينقل الأزمة من نطاق ضيق إلى نطاق أوسع.

إن الالتزام الدستوري بتطبيق مبادئ الشريعة المسيحية في الأحوال الشخصية للمصريين المسيحيين يفرض على المشرّع أن يحافظ على فلسفتها الجوهرية القائمة على قدسية الزواج ودوامه، فالتشريع الرشيد لا

يساير الضغوط الاجتماعية بل يضبطها بسياسات داعمة من بينها إنشاء نظم تأهيل وإرشاد للمقبلين على الزواج، وتفعيل آليات الوساطة الأسرية، ونشر ثقافة المسؤولية المشتركة داخل الأسرة والتوعية من الصغر.

وما يجمعه الله في نظر العقيدة، يجب ألا يُفككه أصحاب المصالح الشخصية الضيقة من طرفي العقد أو آراء بعض الطوائف المسيحية التي يفتقروا إلى الانضباط الدستوري والقانوني والفلسفي أو يسمحوا بالتحايل على جوهر النظام القانوني للأسرة .

هاني صبري لبيب - أقباط متحدون
28 يناير 2026 |