عندما رأيت صورة الأستاذة والصديقة فريدة الشوباشي على كتاب عنوانه امرأة لا تنحني، وعرفت أنه عبارة عن حوارات أجرتها الصحفية المجتهدة النشطة جهاد الديناري، التي تحمل حساً نقدياً متميزاً مع الكاتبة فريدة الشوباشي، عرفت أن
هذا الكتاب يستحق الاقتناء، من الممكن اعتبار الكتاب سيرة ذاتية لفريدة من خلال عيون المحاورة، وقد فعل هذا من قبل رجاء النقاش مع نجيب محفوظ، والسير الذاتية حظها في مصر قليل، ولا تحظى بالمصداقية عادة مثل السير الذاتية الغربية.
فمذكرات ماركيز وكازنتزاكس وجان جينيه.. إلخ، تتميز بالصدق الشديد والرهافة والكشف، وهي سر تميز تلك المجتمعات التي تمارس الصدق وتتعلمه من كبار أدبائها الذين يتعرون نفسياً وكأنهم
يتطهرون، وكتاب امرأة لا تنحني يمثل تلك النوعية المفتقدة في السير الذاتية، وذلك لأن صاحبة المذكرات سيدة قوية وصادقة وجسورة، وهي لا تفتعل أو تدعي هذه الجسارة أو الجرأة، بل هي تمارسها
كل دقيقة في حياتها، إنسانة لا تعرف النفاق والرياء، المظهر مثل المخبر، الخارج مثل الداخل، تتكلم عن طفولتها الفقيرة بعد الأزمة الاقتصادية التي واجهت الأسرة، واضطرت الطفلة الصغيرة بنت
الأسرة المسيحية التي تعافر وتخدش بأظافرها جدار القدر، أن تعمل مدرسة خصوصية للغة الفرنسية، وتتفوق فيها، تعمل ليل نهار بخمسين قرشاً شهرياً الدروس، لكي تستطيع أن تنفق على نفسها وتساعد أسرتها!.
هي منذ الطفولة امرأة لا تنحني، امرأة متحدية، امرأة عاملة تكسب من عرق جبينها وكد يديها، ومن الطفولة إلى المحاماة، التمرد ضد الظلم، والانتماء للغلابة، ثم الارتباط بيساري مطارد، والزواج من مسلم، واحتمال
الفراق، هو في زنزانة السجن، وهي في زنزانة الوحدة أمام العالم، وطفل هو ضيف وحيد ينتظر الحضن والدفء، ومواجهة المجتمع بخلافات سياسية ودينية واجتماعية، تجارب تلو التجارب تصقل تلك السيدة وتزيدها تحدياً
وتمرداً ومعافرة، ثم يأتي تحدي السرطان الذي كان حله أن تسافر أمريكا، لكنها رفضت لأنها كما قلت متجانسة الداخل والخارج، وتكره التوحش الرأسمالي، تفضل العلاج في فرنسا عن العلاج في أمريكا، ويمن الله عليها بالشفاء.
تحدي العمل في مونت كارلو ثم العودة للقاهرة، رحلة تحدٍ ومخاطر لم تنحن فيها لأحد، لم تهادن، أو تمسك العصا من المنتصف، ثم رحلة الكفاح البرلماني والصوت المجلجل تحت القبة، كصوت معبر عن 30 يونيو وما بعدها من مجتمع يصبو للمستقبل، في ظل التحديات الاقتصاديةً انحازت للبسطاء ومتوسطي الحال.
في ظل التحديات الثقافية انحازت للتنوير وقضايا استفزاز العقل وخلق السؤال، في ظل التحديات الاجتماعية انحازت لحرية المرأة واعتبارها كياناً مساوياً للرجل، وعدم اضطهادها تحت دعاوى أنها الأضعف والأكثر غواية وفتنة.. إلى آخر تلك الشماعات التي يعلقون عليها جرائمهم ضد المرأة، كتاب استثنائي عن امرأة استثنائية.



