في إطار اهتمام الدولة المصرية ببناء الإنسان وحماية النشء، جاءت توجيهات فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة سن تشريع ينظم – بل ويمنع – استخدام الهواتف المحمولة لصغار السن، كخطوة تعكس وعيًا عميقًا بتحديات العصر الرقمي وتداعياته المتسارعة على الأطفال اجتماعيًا وتعليميًا ونفسيًا.
ولا يُعد هذا التوجه تقييدًا للحرية بقدر ما هو تنظيم رشيد لاستخدام التكنولوجيا، يوازن بين حق الطفل في النمو السليم وحق المجتمع في حماية أجياله القادمة من مخاطر باتت تهدد منظومة القيم والمعرفة.
ينطلق هذا التوجه من مسلّمة قانونية وتربوية مؤداها أن الطفل ليس راشدًا رقميًا، وأن تركه فريسة غير محمية لمحتوى الإنترنت ووسائل التواصل دون ضوابط تشريعية يُعد إخلالًا بواجب الدولة في الرعاية والحماية.
إن الهاتف المحمول لم يعد مجرد وسيلة اتصال، بل أصبح بوابة مفتوحة لمحتويات غير مناسبة، وسلوكيات عدوانية، وإدمان رقمي، وتفكك اجتماعي، الأمر الذي يفرض تدخل المشرّع لوضع حدود زمنية وعمرية لاستخدامه.
1- تعزيز النمو الاجتماعي
حظر استخدام الهاتف حتى سن 16 عامًا يعيد للطفل للتفاعل الإنساني المباشر واكتساب مهارات الحوار والتواصل والانخراط في الأنشطة الجماعية والرياضية. وهي عناصر جوهرية في تكوين شخصية متوازنة.
2 - تحسين التحصيل التعليمي
تشير الدراسات التربوية إلى أن الاستخدام المفرط للهواتف الذكية:-
يضعف التركيز والانتباه ، يقلل من القدرة على الاستيعاب، ويخلق اعتمادًا سلبيًا على المعلومة السريعة.
وبالتالي، فإن تقنين أو حظر الاستخدام يسهم في رفع كفاءة العملية التعليمية.
3 - حماية نفسية وسلوكية.
التشريع المقترح يحمي الأطفال من المحتوى العنيف أو الإباحي، ويحميه
التنمر الإلكتروني ، والإدمان الرقمي والقلق والاكتئاب.
وهو ما ينعكس إيجابًا على الصحة النفسية العامة للمجتمع.
بالتأكيد هناك بعض التحديات العملية في تطبيق القرار وسبل مواجهتها
1 - تحدي الرقابة والتنفيذ لا شك أن مراقبة الالتزام بالحظر تمثل تحديًا، ويمكن مواجهته عبر تحميل أولياء الأمور المسؤولية القانونية المباشرة، ربط بيع الهواتف وتفعيل الشرائح بضوابط عمرية.
وتعزيز الرقابة المدرسية والمؤسسية
2 - تحديد السن المناسب
ويُعد سن 16 عامًا اختيارًا منطقيًا ومتوازنًا، إذ يتوافق مع اكتمال نسبي للإدراك والتمييز بداية تشكل الوعي الاجتماعي والقانوني. وقدرة أكبر على استخدام التكنولوجيا.
وقد اتجهت عدة دول إلى تشريعات مماثلة، منها، فرنسا: حظرت استخدام الهواتف المحمولة داخل المدارس.
أستراليا: وضعت قيودًا صارمة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للقُصّر.
كوريا الجنوبية: سنت قوانين لمكافحة الإدمان الرقمي للأطفال.
ويمكن للمشرّع المصري الاستفادة من هذه التجارب مع مواءمتها للبيئة القانونية والثقافية المصرية.
نرى أن التوجه نحو حظر استخدام الهواتف المحمولة للأطفال حتى بلوغهم سن السادسة عشرة لا يُعد مجرد خيار تنظيمي، وإنما يستند إلى أساس دستوري وتشريعي راسخ، يتكامل فيه واجب الدولة في الحماية مع سلطتها التقديرية في التنظيم، وذلك على النحو التالي:
تنص المادة (80) من الدستور المصري على أن: “يُعد طفلًا كل من لم يبلغ الثامنة عشرة من عمره، وتلتزم الدولة بحمايته من جميع أشكال العنف والإساءة وسوء المعاملة والاستغلال…”
ويُستفاد من هذا النص أن الدستور لم يكتفِ بتعريف الطفل، بل ألقى على عاتق الدولة التزامًا إيجابيًا باتخاذ التدابير التشريعية والتنفيذية اللازمة لحمايته، دون أن يقصر مفهوم الحماية على العنف المادي فقط، وإنما وسّعه ليشمل كل ما من شأنه الإضرار بنمو الطفل الجسدي أو النفسي أو العقلي أو الأخلاقي.
ومن ثم، فإن تدخل المشرّع لتنظيم أو حظر استخدام وسائل قد تضر بسلامة الطفل النفسية أو الأخلاقية، ومنها الهواتف الذكية ومحتواها الرقمي، يُعد تنفيذًا مباشرًا لالتزام دستوري، وليس اعتداءً على حرية شخصية غير مكتملة الأهلية قانونًا.
كما تقضي المادة (93) من الدستور بأن: “تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها.”
وبتطبيق هذا النص، فإن الدولة المصرية ملتزمة بما ورد في اتفاقية حقوق الطفل لعام 1989، والتي أكدت في المادة (3) على أن تكون “مصلحة الطفل الفضلى هي الاعتبار الأول في جميع الإجراءات التي تتخذ بشأنه”.
ونصت المادة (17) على التزام الدول بحماية الأطفال من المواد الإعلامية الضارة.
وهو ما يُشكّل سندًا قانونيًا مباشرًا يبيح، بل يوجب على المشرّع التدخل لتنظيم وصول الأطفال إلى المحتوى الرقمي متى ثبتت مخاطره.
يُعد قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 وتعديلاته بالقانونين 126 لسنة 2008 و186 لسنة 2023 الإطار التشريعي الشامل الذي يُجسد الالتزامات الدستورية والدولية في حماية الطفل، إذ أقر هذا القانون بوضوح مبدأ: “المصلحة الفضلى للطفل” بوصفه معيارًا حاكمًا لأي تشريع أو إجراء يتعلق بالأطفال.
وقد منح القانون الدولة سلطة التدخل الوقائي متى كان هناك خطر يهدد النمو السليم للطفل وسلامته النفسية أو الأخلاقية، تكوينه الاجتماعي والتعليمي
وبالتالي، فإن سن تشريع يحظر استخدام الهواتف المحمولة قبل سن محددة يُعد إجراءً وقائيًا مشروعًا، ينسجم مع فلسفة قانون الطفل، ولا يشكل مصادرة لحق، وإنما تنظيمًا مؤقتًا له لحين اكتمال الأهلية الإدراكية.
رغم أن الدستور عرّف الطفل حتى سن 18 عامًا، إلا أن تحديد سن 16 عامًا كحدّ للحظر يندرج ضمن السلطة التقديرية للمشرّع ومبدأ التدرج في الحماية والتوازن بين الحماية والتمكين
وهو ما يتوافق مع المحكمة الدستورية العليا التي قررت أن “للمشرّع سلطة تقديرية في تنظيم الحقوق، ما دام التنظيم لا يهدر أصل الحق ولا ينطوي على تعسف أو تمييز.”
ومن ثم فإن قرار حظر استخدام الهواتف المحمولة للأطفال حتى سن 16 عامًا يستند إلى التزام دستوري صريح بالحماية ، ينسجم مع الات



