القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

عيد الغطاس: السماء المفتوحة ونور الظهور الإلهي من نهر الأردن إلى «بلابيصا» الصعيد

بقلم د. ماجد عزت اسرائيل

تحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بعيد الغطاس المجيد في الحادي عشر من شهر طوبة، الموافق 19 يناير من كل عام. وهو أحد الأعياد السيدية الكبرى التي تخص السيد المسيح، ويُعرف أيضًا باسم عيد الظهور الإلهي (Theophany)، إذ فيه استُعلن الثالوث القدوس عند نهر الأردن: الابن قائم في الماء، والروح القدس نازلًا مثل حمامة، وصوت الآب من السماء قائلًا: هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت (مت 3: 17).

عيد الغطاس: السماء المفتوحة ونور الظهور الإلهي من نهر الأردن إلى «بلابيصا» الصعيد

ويعود الاحتفال بهذا العيد في بلاد الشرق إلى أوائل القرن الثالث الميلادي، وربما في عهد البابا ديمتريوس الأول (188230م)، حيث احتُفل به كعيد مستقل قبل عيد الميلاد المجيد. وقد سمت الكنيسة هذا العيد بـالغطاس لتؤكد أن السيد المسيح اعتمد

بالتغطيس الكامل في الماء، كما ورد في الإنجيل: فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء (مت 3: 16). وتُذكّر الكنيسة أبناءها أيضًا بالمعمودية الرسولية، كما في قصة تعميد الخصي الحبشي بالتغطيس (أع 8: 39)، وهو ما تؤكده جرن المعمودية في الكنائس منذ القديم.

ويركّز القديس لوقا الإنجيلي على عماد المسيح بوصفه حدثًا إلهيًا ساميًا، إذ يقول: وإذ كان يُصلّي انفتحت السماء (لو 3: 21). فالمشهد ليس مجرد طقس بشري، بل إعلان سماوي: السماء تنفتح، والروح ينزل، والآب يشهد للابن. وهنا تتمايز معمودية يوحنا عن معمودية المسيح؛ فالأولى إعداد، والثانية ولادة من فوق، كما قال الرب: إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله (يو 3: 3).

وفي تواضعٍ فريد، يقف يوحنا المعمدان أمام المسيح قائلًا: أنا محتاج أن أعتمد منك (مت 3: 14)، فيجيبه الرب: اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمّل كل بر (مت 3: 15). إنها لغة التواضع والحق، التي تتعلم منها الكنيسة ثقافة اللقاء وخدمة الآخر.

بلابيصا: الجذور القبطية والرمزية التاريخية للاحتفال بالنور الإلهي

ترتبط كلمة بلابيصا بالاحتفال الشعبي بعيد الغطاس في صعيد مصر، وهي تحريف للكلمة القبطية بي لامباص التي تعني المصباح. وقد مرّت بتطورات لغوية مثل: بلمباصا، بيلامبيص، بلامبيصا، حتى استقرت في صورتها الحالية بلابيصا.

وتحمل الكلمة معنى رمزيًا عميقًا، إذ تشير إلى الاحتفال بالنور الإلهي، أو عيد الأنوار في التقليد القبطي القديم. وتمتد جذورها إلى مصر القديمة، حيث كانت تُقام مواكب الأنوار عند تنصيب الفرعون على

ضفاف البحيرة المقدسة، رمزًا للنور والقداسة. وبعد دخول المسيحية، احتفظ الأقباط بهذا البعد الاحتفالي، لكن بروح جديدة تتوافق مع عيد الظهور الإلهي، فانتقل الرمز من ملك أرضي إلى إعلان نور المسيح للعالم.

وهكذا تصبح بلابيصا شاهدًا حيًا على استمرارية الذاكرة المصرية، حيث يلتقي الفرعوني بالقبطي في احتفال واحد بالنور.

وختامًا، عيد الغطاس هو عيد السماء المفتوحة، وعيد النور الذي أشرق على العالم. فيه نصلي من أجل السلام لمصرنا الحبيبة، ولعالمنا العربي، وللعالم أجمع، وسلامًا لكنيستنا القبطية في مصر وفي كل أنحاء العالم. كل عام وأنتم بخير بمناسبة عيد الغطاس المجيد.

د. ماجد عزت اسرائيل - أقباط متحدون
17 يناير 2026 |