يحتفلُ مسيحيو الشَّرق بعد أيامٍ قليلة بـعيد الغطاس؛ الذى يوافق الحادى عشر من شهرِ طوبة وفقًا للتقويم القبطىّ، والتاسع عشر من يناير بحسبِ التقويمِ الميلادىّ. ويُعدُّ هذا العيدُ من أهم الأعياد فى التقليد المسيحىّ،
إذ يُصَنَّفُ كَعِيدٍ سَيدى كبيرٍ له مكانةٌ خاصةٌ، وقد أكد آباءُ الكنيسةِ الأوائل أهميةَ هذا العيدِ، ومنهم القِديسُ يوحنا الذهبىّ الفم، بطريرك أنطاكية: إنَّ (عيدَ الظهور الإلهىّ) هو من الأعيادِ الأوَّليَّة عندنا.
يحملُ عيدُ الغِطاس عددًا من التَّسمياتِ، من بينها: عيدُ الثيئوفانيا، وعيدُ الأَبِيفانيا؛ ويعنيان الظهورَ الإلهىّ، كما يُعرَفُ أيضًا بعيد تكريس المياه، وعيدِ التنوير، وعيدِ
العِمَاد، وعيدِ الحَمِيم.. أما التسميةُ الأشهر عيدُ الغطاس، فَتَرتبطُ مباشرةً بِحَدَثِ مَعموديةِ السيد المسيح فى نهر الأردن على يدِّ النبى يوحنا المَعمَدان.. يروى الكِتَابُ حدَثَ
المَعموديةِ قائلًا: وَفِى تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يَسُوعُ مِنْ نَاصِرَةِ الْجَلِيلِ وَاعْتَمَدَ مِنْ يُوحَنَّا فِى الأُرْدُنِّ. وَلِلْوَقْتِ وَهُوَ صَاعِدٌ مِنَ الْمَاءِ رَأَى
السَّمَاوَاتِ قَدِ انْشَقَّتْ، وَالرُّوحَ مِثْلَ حَمَامَةٍ نَازِلًا عَلَيْهِ (مرقس 1: 9، 10)، وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ: أَنْتَ ابْنِى الْحَبِيبُ الَّذِى بِهِ سُرِرْتُ. (متى 3: 17).
يُعدُّ النبىّ يوحنا المعمدان إحدى الشخصياتِ المركزيةِ فى عيدِ الغِطَاس، فقد شَهِدَ العهدَ القديمَ قبل مجىءِ السيد المسيح، والعهدَ الجديدَ بمجىء السيد المسيح وخدمَتِه على الأرضِ؛
لذا لُقِّبَ بنبىّ العَهدَين. بدأَ يوحنا المعمدان خِدمَتَه قبل السيد المسيح بستةِ أشهر؛ وكانت رسالتُه دعوةَ الناسِ إلى التوبةِ والعودةِ إلى الله: كَانَ يُوحَنَّا يُعَمِّدُ فِى
الْبَرِّيَّةِ وَيَكْرِزُ بِمَعْمُودِيَّةِ التَّوْبَةِ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. (مرقس 1: 4)، وقد جاءت خدمتُه فى فترةٍ شديدةِ الاضطراب سياسيًّا واقتصاديًّا وروحيًّا؛ حيث عانى
الشعبُ من القَّهرِ والضَّرائبِ، إلى جانبِ انتشارِ الطوائفِ المتعددةِ، والتى يَحمِلُ كلٌّ منها عقائدَ تختلفُ، بل تتضاربُ وتتصارعُ لتؤدى تلك الصراعاتُ إلى مزيدٍ من تَشَتُّتِ الشعبِ.
وفى تلك الظروفِ القاسيةِ، برزَ يوحنا المعمدان الذى قيل عنه: صَوْتُ صَارِخٍ فِى الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ، اصْنَعُوا سُبُلَهُ مُسْتَقِيمَةً، (مرقس 1: 3) برسالةِ السماءِ للتَّوبةِ.
أَتتْ خدمةُ يوحنا المعمدان بِثِمارِها، إذ أَقبَلَ الشَّعبُ إليه بالتَّوبةِ، كما قِيل: حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ
بِالأُرْدُنِّ. وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِى الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ (متى 1: 3، 6).. لذلك استحقَّ شهادةَ السيدِ المسيحِ له بأنه أفضلُ من نبيّ: بَلْ مَاذَا خَرَجْتُمْ
لِتَنْظُرُوا؟ أَنَبِيًّا؟ نَعَمْ، أَقُولُ لَكُمْ: وَأَفْضَلَ مِنْ نَبِىّ! هذَا هُوَ الَّذِى كُتِبَ عَنْهُ: هَا أَنَا أُرْسِلُ أَمَامَ وَجْهِكَ مَلاَكِى الَّذِى يُهَيِّئُ طَرِيقَكَ
قُدَّامَكَ! لأَنِّى أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ بَيْنَ الْمَوْلُودِينَ مِنَ النِّسَاءِ لَيْسَ نَبِىّ أَعْظَمَ مِنْ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانِ، وَلكِنَّ الأَصْغَرَ فِى مَلَكُوتِ اللهِ أَعْظَمُ مِنْهُ. (لوقا - 7: 26، 27، 28).
والقديسُ يوحنا المعمدان هو مَن شَهِدَ للسيّدِ المسيح: وَفِى الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلًا إِلَيْهِ، فَقَالَ: هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِى يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ!؛ (يوحنا 1: 29) كما أَقَرَّ يوحنا:
هُوَ الَّذِى يَأْتِى بَعْدِى، الَّذِى صَارَ قُدَّامِى، الَّذِى لَسْتُ بِمُسْتَحِقٍّ أَنْ أَحُلَّ سُيُورَ حِذَائِهِ. (يوحنا 1: 27)، وعندما جاءَ السيّدُ المسيحُ لِيَعتمدَ من يوحنا المعمدان قال له يوحنا: أَنَا
مُحْتَاجٌ أَنْ أَعْتَمِدَ مِنْكَ، وَأَنْتَ تَأْتِى إِلَيَّ! (متى 3: 14)، فأجابَه السيّدُ المسيح: اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرٍّ (متى 3: 15)، وهكذا أَذِنَ السيدُ المسيح لـيوحنا
فى أن يَعمدَه، فعلى الرغم من أن السيّدَ المسيحَ هو البار، الذى لا تُعوِزُه أيُّ معمودية إلا أنَّه أرادَ أن يُكمِّل بِبِرِّه الكامل كلَّ بِرّ عن الإنسانِ الذى أخطأَ وفَسَدَت طبيعتُه وكَسَرَ وَصيّةَ الله، فجاءَ حُكْمُ الموتِ.
عَرِفَت مصرُ احتفالاتٍ شعبيةً واسعةً بعيد الغِطَاس قديمًا؛ حيث يذكُرُ المؤرخون أن المصريين كانوا يَتنزّهون على ضفاف نهر النيل؛ فيذكُرُ المقريزى: فَصَارَ النصارى
يقسِّمُون أولادَهم فى الماء فى هذا اليوم، ويَنزلون فيه بأجمَعِهم، ولا يكون ذلك إلا فى شدة البرد، ويسمونه (يوم الغطاس)، وكان له بـ(مِصر) موسمٌ عظيمٌ للغاية؛ كما يذكر
المؤرخ المسعودىّ: ولِلَيلةِ (الغِطاس) بـ(مِصر) شأنٌ عظيمٌ عند أهلِها، لا ينامُ الناسُ فيها.. إلا أن تلك الاحتفالاتِ توقفَتْ إبّان حُكمِ الدَّولةِ العثمانيةِ على مِصر.
أُهنئكُم فى عيد الغِطاس، راجيًا الله أنْ يَهِبَ لكم جميعًا كلَّ خيرٍ وسعادةٍ، وأن يَحفَظَ لبلادنا مِصر السلامَ والأَمنَ والبركات.
والحديث عن مِصر الحُلّوة لا ينتهى!.
* الأسقف العام
رئيس المركز الثقافى القبطى الأرثوذكسى



