في قلب دلتا مصر، تقف قرية شبلنجة شاهدة على تاريخ عريق امتزج فيه الجغرافيا بالإيمان، والتاريخ بالتراث. قرية قديمة ضاربة بجذورها في أعماق الزمن، لم تكن مجرد تجمع سكني، بل محطة تاريخية حملت بين جنباتها ملامح حضارية وروحية فريدة.
ومن بين أزقتها، تتجلى كنيسة السيدة العذراء مريم كواحدة من الكنوز الكنسية والأثرية بمحافظة القليوبية، محتفظة بمخطوطات نادرة، وأيقونات أثرية، وذخائر لقديسين، تشهد على عمق الإيمان ودور الكنيسة ليس فقط كمكان للعبادة، بل كمنارة روحية ومجتمعية أسهمت في بناء الإنسان وترسيخ قيم التعايش والمحبة عبر مئات السنين.
تقع قرية شبلنجة في الطريق الواصل بين بنها ومنيا القمح وهي تتبع محافظة القليوبية، وكانت القرية مقسمة قديمًا إلى ستة كفور من بينها كفر النصارى الذى تقع به الكنيسة، بحيث كان كل كفر يُعد ناحية واحدة قائمة بذاتها، وأما من الوجهة المالية فقد كانت هذه الكفور ناحية واحدة يجمعها ناحية شبلنجة.
وفي سنة 1866 م أُلغي هذا التقسيم الإداري، وأعيدت قرية شبلنجة ناحية واحدة من الجهتين الإدارية والمالية.
وكانت القرية تابعة لمركز منيا القمح، وعند إنشاء مركز بنها عام 1913م ألحقت به لقربها الجغرافي منه. كما صنفت شبلنجة كقرية قديمة في مصر السفلي.
تاريخ الكنيسة
وجاء ذكر تاريخ هذه القرية في القاموس الجغرافي؛ حيث أشار إلى أن شبلنجة قرية قديمة، إلا أن أسمها لم يرد في كشف أسماء البلاد المنشور في أعداد الوقائع المصرية الصادرة فى سنه 1877م، ولا في إحصاء سنة 1882م ، ولكنها ذكرت قديمًا
في قوانين ابن مماتي المشترك لياقوت، وكتاب تحفة الإرشاد بأسماء مختلفة مثل شبرا النجة وشبرا البنجة وشبرا لننجة وشبرا اللنجة ثم حرف الاسم شبلنجة لخفة النطق وسهولته، وذلك في كتاب الخطط التوفيقية لـعلي باشا مبارك سنة 1899 م.
وجاء في الجزء الثاني عشر من الخطط الجديدة لمصر القاهرة ومدنها وقراها إن شبلنجة قرية من مديرية الشرقية بمركز منيا القمح، كما ذكرت كنيسة السيدة العذراء مريم الموجودة بها ضمن عداد الكنائس بمحافظة القليوبية التي قامت الدولة بحصرها خلال الفترة من (1899: 1902م).
وكانت الكنيسة تتبع الكرسي الأُورشليمي في زمن الأنبا تيموثاوس مطران القدس أحد أبناء دير الأنبا أنطونيوس وذلك عام 1896 م، ثم أصبحت تتبع إيبارشية القليوبية والجيزة في حبرية الأنبـــا متاؤس.
الطراز المعماري ومكونات الكنيسة
وانطلاقًا من هذا التاريخ العريق التقت جريدة وطني مع القمص بولس جميل، راعي الكنيسة، الذي تحدث عن الكنيسة ومحتوياتها قائلًا: تتميز الكنيسة معماريًا باحتوائها على عناصر إنشائية تنتمي إلى الطراز البازيليكى Basilika، مثل وجود صحن رئيسي تحيط به أجنحة جانبية، وأسلوب التغطية بالأقبية أو بالسقف المسطح قديمًا.
أضاف أن الكنيسة تضم ثلاثة هياكل، الأوسط على اسم السيدة العذراء مريم، والهيكل البحري على اسم الشهيد مارجرجس، والهيكل القبلي على اسم الأنبا بيشوى، وتبلغ المساحة الكلية للكنيسة وملحقاتها حوالي 1000م2؛ حيث تضم الكنيسة عدة مباني خدمية.
مخطوطات الكنيسة
وأوضح راعي الكنيسة، أن مقتنياتها الأثرية تعود تاريخها إلى ما قبل 450 عامًا؛ حيث توجد أيقونة يرجع تاريخها إلى 1250 ش، كما تمتلك الكنيسة مجموعة كبيرة من المخطوطات المكتوبة بخط
اليد، وأغلبها كتب خاصة بالخدمة الكنسية وشرح أسفار الكتاب المقدس، وتعود إلى القرن الثامن عشر والتاسع عشر، لافتًا إلى أن تصنيف المخطوطات يشمل كتب الخدمات الطقسية القطمارساتوهي
للمساعدة في الصلوات المختلفة للمناسبات السنوية، وكتب التفاسير، وكتب التماجيد والتسابيح وكتب قصص الأباء القديسيين القدمـــاء الميامر، والعظات والاحاديث والمقولات، وتفاسير
مقدمات الأنجيل، والأناجيل الأربعة، وكتب متنوعة أخرى، فضلًا عن وجود رسالة بخط اليد مرسلة من مطران كرسي أورشليم إلى كنيسة السيدة العذراء مريم بشبلنجة للتنبية على بعض الأمور الرعوية.
الأيقونات والأدوات الكنسية
وتابع القمص بولس قائلًا بأن الكنيسة تضم حوالى 15 أيقونة أثرية من أعمال الفنان أنسطاس الرومى، من بينها أيقونة للعذراء مريم يرجع تاريخها إلى 1562 ش- 1845م وأيقونة الملاك ميخائيل 1563ش وأيقونة الملاك غبريال1566ش
وأيقونة القيامة1582ش وأيقونة الشهيد مارجرجس 1582ش، إلى جانب أيقونات للصلب، وأبو سيفين، والقديسة دميانه والقديسين قزمان ودميان والقديس الأنبا بشاي والقديسة افروسينا، وتتراوح تواري هذه الأيقونات ما بين 180 200 عام.
حامل الايقونات
وأيضًا تتميز الكنيسة بحامل الأيقونات المصنوع من الخشب المعشق يرجع إلى عام 1560 شهداء وتوجد به طاقتان لمناولة الرجال والسيدات، كما يتميز بعقد جميل فوق الباب الاوسط لحامل الايقونات، ويأخذ الحامل شكل قرص الشمس.
المنارة القديمة
ويوجد بالكنيسة منارة قديمة من عمر الكنيسة لم يتم تجديدها أو ترميمها، بها جرس آثري، وقامت الكنيسة ببناء منارة جديدة أطول من المنارة القديمة حتي يستطيع تمييز الكنيسة ومعرفة الطريق إليها.
كما أشار القمص بولس، إلى أن الكنيسة تمتلك مجموعةمميزة من الأدوات الكنسية منها كرسى لحفظ كأس الدم يعود تاريخه إلى 1585ش، ودفوف، وشوريات، وعدة مذبح تشملكاسات الدم والصواني والمساتير، وآله لصناعة النبيذ، وأوعية لحفظه، وجرس صغير
كان يدق خصيصًا عند وفاة الأطفال ويرجع تاريخه إلى عام 1873م، والإضافة إلى قناديل وأوعية لحفظ الزيوت ومجموعة من صلبان مختلفة بأجحام مختلفة من بينها صليب الزفة وأباريق لغسل أيدي الآب الكاهن وكرسي الأسقف ولوح مقدس وبشارة ومنجليتين.
وتم إنشاء متحف خاص لعرض كل المقتنيات الأثرية بالشكل اللائق، حفاظًا عليها وتعريف الشباب والأهالي بهذه القطع النادرة.
رفات القديسين
وأكد القمص بولس على أن الكنيسة تحتوي على العديد من ذخائر أجساد القديسين، من بينهم القديسين بطرس وبولس الرسولين والقديس مارمرقس الرسول والشهيد العظيم مارجرجس والأمير تادرس
الشطبي والشهيد العظيم فيلوباتير أبو سيفين والشهيد العظيم مارمينا العجايبي والشهيد العظيم أبسخيرون الجندي والقديس موسى الأسود والشهيد صليب الجديد وشهداء أخميم وشهداء
الفيوم وشهداء أنصنا والشهيدة العفيفة دميانة والقديس سمعان الخراز وأولاد الأنبا توماس السائح، كما تبركت الكنيسة أيضًا بقطعة صغيرة من الصليب المقدس وجزء من زنار السيدة العذراء مريم.
وأشار القمص بولس إلى أن الكنيسة شهدت عدة مراحل ترميم أعوام 1982 2008 م، بمشاركة أبناء القرية من مختلف الفئات والأعمار والمساهمات كانت عبارة عن المالية أو العينية أو بالمجهود الذاتي وتحضير الطعام. وشمل عمليات الترميم، عمليات إصلاح وتجديد ما هو قديم وإنشاء مباني جديدة ملحقة بالكنيسة.
أنشطة الكنيسة وخدماتها
تقدم الكنيسة خدمات متعددة تشمل القداسات والاجتماعات المتخصصة لتخدم كل الفئات إلى جانب التربية الكنسية، نظرًا لكونها الكنيسة الوحيدة بالقرية، مما يجعلها المنفذ الوحيد لكل الشعب سوء على المستوى الروحي والخدمي، لذلك تقوم الكنيسة بعمل أنشطة لكل الأعمار والمراحل، ويشارك الشباب والشعب في كل خدمات الكنيسة.
ولا تقتصر دور الكنيسة على الجانب الروحي فقط، بل تمتد رسالتها إلى العمل المجتمعى؛ حيث تشارك في جميع المناسبات والاحتفالات، وتسود علاقة طيبة تقوم على أساس التعايش والمحبة بين المسيحيين وإخواتهم المسلمين بالقرية، من خلال تبادل الزيارات والمشاركة في كل المناسبات المختلفة، فالكنيسة يسودها التعايش المجتمعى.
جمعية المحبة الخيرية
وأوضح القمص بولس، أن الكنيسة أنشأت جمعية المحبة الخيرية لتنمية المجتمع المحلي بشبلنجة، والمشهرة من سنة 2008 م، تعمل في مجالات الصحة والتعليم والبيئة والثقافة، وهي تقوم بعمل خدمي تنموي
بالقرية والقرى المجاورة بتقديم مساعدات عينية لطلاب المدارس والأيتام وغير القادرين وتوزيع البطاطين وكراتين المواد الغذائية والملابس والأدوات المدرسية بالقرية والقري المجاورة، فضلًا عن
تنظيم ندوات وفعاليات توعوية للشباب حول مخاطر المخدرات والإدمان والمسكرات والأخطار المختلفة التي تهدد المجتمع، وكذلك تقوم بتدريب الشباب والسيدات على إتقان الحرف اليدوية التي يحتاجها سوق العمل.
كما قامت الجمعية بعمل شراكات مع جمعيات ومؤسسات وجهات مختلفة من أجل خدمة أهالي القرية، كما أن الجمعية تشارك في كل المناسبات والاحتفالات المجتمعية وتقوم بتقديم المساعدات العينية، كذلك قامت الجمعية بعمل قوافل طبية في جميع التخصصات.



