يبدو أن اشتراكات (بى إن سبورتس)، مثل عقود الإذعان، لا تملك خيارا، ناهيك عن أسعارها فوق طاقة المصريين، تفرض علينا (مدرس تاريخ كروى) للتعليق الكروى على مباريات المنتخب الوطنى فى نهائيات كأس الأمم الأفريقية، وتضن علينا بمعلق فكه، ظريف، يلمس شغاف قلوب المصريين.
ابتداء وانتهاء، كامل الاحترام الشخصى للمذيع المصرى على محمد على، ولكن غير مهضوم كرويا، وفرضه على الجمهور المصرى سطوة وتسلط.
لسان الحال مصروف لكم مدرس تاريخ فى محفل كروى، وهذا لعمرى من قبيل الإذعان وهذا مكروه رياضيا.
الكرة متعة، من المتع أن تسمع وأنت تشاهد، المدرس يشوش على كل كرة حتى لو أوف سايد، ويوالى تواريخه السقيمة والكرة باتجاه المرمى، ولا يفوت اسما دون سرد سيرته الكروية منذ أن كان يلعب الكرة الشراب فى الشارع.
موسوعة كروية قديمة من أيام الإذاعات الأهلية، مدرس التاريخ يتحفنا بتواريخ بعيدة من أيام السيد الضظوى، ورفعت الفناجيلى مرورا بصالح سليم، وصولا إلى المعلم حسن شحاتة حتى يبلغ الكدر منتهاه بكابتن مجدى عبد الغنى.
ويستعرض مجلداته الكروية من أيام المرحوم كابتن رأفت عطية عندما سجل أول هدف فى تاريخ كأس الأمم الأفريقية، الهدف الافتتاحى للمنتخب الوطنى فى شباك نظيره السودانى، من ركلة جزاء بعد مرور 21 دقيقة على بداية المباراة التى أقيمت عام 1957 واستضافتها العاصمة السودانية الخرطوم.. وكان عطيه متزوج ويعول..
والله زى مابقولك كده، مع كل جول يسرد حكاية المائة جول، وكل ضربة جزاء سرد تاريخى، وكل اسم له ألف مرادف، ويستعرض بالتواريخ، ويقلب فى الدفاتر، ما يستنفر ضيقا فى الصدور.
لا يصمت أبدا، هنيهة، كفاية، حرام، ويتفلسف، ويفرض رؤاه، وتفضيلاته، وإذا مدح اطنب، وإذا ذم ربنا ما يوريك، سواد فى سواد، يربكك وانت مرحرح على الكنبة، يقلق راحتك، ولولا قصور اللغة لكان التعليق الإنجليزى أو الفرنسى أرحم.
مصروف لنا مدرس التاريخ، شخصيا أفضل أيا من المعلقين العرب، وجميعا لا يقلون حماسة ومحبة للمنتخب الوطنى حتى حفيظ دراجى.
تحس أن معمول لنا عمل تاريخى، ما حاجة المشجع الكروى لكل هذه التواريخ والذكريات والكرة فى الملعب، المشجع على أعصابه، ومدرس التاريخ سادر فى غيه، كل لقطة بتاريخ، وكل لاعب بحكاية، وحكاية سخيفة، وطريقة إلقائها سمجة، ونكت بايخة وإفيهات من زمن عمر النور.
محمد صلاح سجل الهدف الحادى عشر فى مرمى الأفيال، جميل، ولكن مدرس التاريخ يقص علينا قصة الأحد عشر هدفا من أول هدف لآخر هدف، ولأن صلاح عادل رقم أهداف مدربه حسام حسن، فرصة وسنحت لسرد تاريخى للهداف حسام حسن، ولأن حسن الشاذلى لايزال متربعا على عرش الهدافين، فرصة جديدة لرواية عن الشاذلى، أومال إيه.
لو امتدت مباراة مصر شوطين إضافيين ربنا ما يوريك، فوق طاقة الاحتمال أن تواصل مع مدرس التاريخ السردية التاريخية، يفحتك فحتا، تحس أنه متسلط على نافخوك، ينقر دماغك، يتغذى على مخزون الصبر الاستراتيجى الذى تتسلح به وانت تشاهد مباريات المنتخب الوطنى!.
ينفد الصبر سريعا، تستغفر مرة وتتعوذ مرتين ثلاثا، تستحضر بعضا من صبر الجيران، وتعاود الكرة، تتململ، تطهق، تخبط راسك فى رأس اللى جنبك، يحاصرك، لا تملك فكاكا، مقيد أمام الشاشة فى عز البرد، وهو ينخر فى عظام الجمجمة كشنيور رفيع ينقب جدار الصمت فتنفجر غيظا.



