أحد أهم كنوز مكتبتى، ورقتان بخط اليد كتبهما المفكر الكبير د. مراد وهبة، الذى خسرته مصرُ قبل أيام، بعد قرن من العطاء الفكرى الفريد، قضاه فى الدفاع الباسل عن العقل، والحرية، وحق الإنسان فى أن يفكِّر بلا وصاية، ويؤمن بلا إكراه، ويختلف بلا تكفير.
أما الورقتان، فتحملان عنوان قيثارة الفيلسوفة الطفلة وهى مقدمة لكتابى: الكتابةُ بالطباشير الملوَّن، الصادر عام 2019 عن الهيئة المصرية العامة للكتاب. فى هذا الكتاب رسمتُ ما أرى من وشائجَ فنيةٍ وفكرية وفلسفية بين
العمارة، مجال تخصصى الدراسى، وبين الشعر والتشكيل والنحت والمسرح والموسيقى. أى الخيوط التى تربطُ الفنون الستة، كما صنّفها الإغريق، تحت قسمين: الإيقاع البصرى، الإيقاع السمعى. والحقُّ أن كلمات د. مراد وهبة النفيسة لم
تكن تقديمًا تقليديًا لكتابى، بل قراءة فلسفية معمّقة فى جوهره الخبىء، كتبها فيلسوفٌ وهو يقرأ الأدبَ والهندسة والأرقام، كتبها عقلٌ وهو يُصغى إلى دهشة شاعرةٍ تتوق للطيران، كتبها مُعلمٌ وهو يحاور تلميذتَه وينقِّبُ فى عالمها.
(هذا الكتابُ جديرٌ بالقراءة، أيًّا كان اهتمامُ القارئ أو تخصّصه. فهو وما يشاءُ من قراءة: لتحليل لوحات فنيّة، أو واجهات معمارية، أو نظريات فلسفية، أو رؤى سياسية. ومع ذلك فإن المشترك بين هذه القراءات هو المفارقاتُ أو الإشكالياتُ أو
التناقضات. وهذه بدورها لها أساسٌ مشترك كامنٌ فى دهشة قريبة من دهشة الطفل، من حيث هى دهشةٌ تنطوى على تفلسفٍ مثلما ارتأى أرسطو عندما قال فى مفتتح كتابه الميتافيزيقا: إن الإنسانَ يبدأ التفلسفَ بسبب الدهشة. أى أن: الدهشة أمُّ الفلسفة.
وصاحبة هذا الكتاب، فاطمة ناعوت، تمارسُ هذه الدهشة. ومن هنا يمكن أن يُقال عنها إنها الفيلسوفة الطفلة. ولا أدلَّ على صحّة هذا اللقب، من أنها تريد أن تبقى على حال الطفولة، لكى ترى الكونَ كما يحلو لها، وليس كما هو
عليه. ومن ثمَّ فهى تلعبُ مع الكون وفى يدها قيثارةُ الفيلسوف. وهى تزهو بهذه القيثارة لأنها تريدُ أن تستمتع بالفنّ وهى تتفلسف، أو بالأدقّ، تريد أن تُذيبَ الفنَّ فى التفلسف؛ لكى تلوى عنقَ الواقع، حتى يطابقَ أحلامَها.
وما يشغلُها وهى فى هذه الحالة أسئلةٌ جوجان الثلاثة:
من أين جئنا؟
ماذا نكون؟
إلى أين سنذهب؟
والكاتبةُ، وهى تثيرُ هذه الأسئلة، تريد إثارة الوعى بالهُوية فى سياق الوعى بالزمن. وإذا كان الزمنُ مُكوّنًا من ثلاث آنات: الماضى والحاضر والمستقبل؛ فالسؤالُ الأول يرمزُ إلى الماضى، والثانى
إلى الحاضر، والثالثُ إلى المستقبل. والمغزى أنه ليس فى الإمكان تناوُل سؤال الهُوية بمعزلٍ عن الزمن. وإذا حدث وتمَّ العزلُ؛ فإنه يكون لدينا هويةٌ ثابتةٌ ومنغلقة، على نحو ما ارتأى أرسطو بسبب
تأسيسه منطقًا شكليًّا؛ يستندُ إلى مبدأ عدم التناقض. وهو مبدأٌ من شأنه إقصاءُ أحد الطرفين، ومن ثَمَّ ينتفى التطورُ. وهذا على الضدّ مما تستمتع به فاطمة ناعوت، من رؤية ضِدين متنافرين؛ مثل قولها:
التسوُّل بالموسيقى أو الكتابة بالطباشير فى عصر إلكترونى، أو إرهابُ النخبة المثقفة الذى يتمثّل فى أن لدى تلك النخبة: جرثومةُ احتكار الصواب بالمطلق؛ وهو فى رأيها أمرٌ خطير يهدد مسارَ الحضارة الإنسانية.
أما إذا دخلت الهُويةُ فى علاقة مع الزمن، فإنها فى هذه الحالة تخضع للتطور؛ الذى هو سُنَّة الزمن. وإذا حدث وتمَّ ذلك التداخُلُ يكون لدينا هُويةٌ متطورة على نحو ما ارتأى هيجل، فى سياق منطقِه الجدلىّ الذى يؤلِّف فيه بين نقيضين، ويرتفع بهما إلى فكرة مبدعة، يكون من شأنها إزالة التناقض.
واللافت للانتباه هنا أن فاطمة ناعوت تؤثِرُ السؤالَ الأول على السؤالِ الثالث، لأنها تؤثرُ الماضى على المستقبل. إلا أن هذا الإيثارَ لا علاقة له بإرهاب الإسلام السياسى الذى يريدُ إحالتنا إلى الماضى؛ من أجل تأسيس وهم
الخلافة الإسلامية، واتهام كلّ مَن يقف ضد هذا الوهم بأنه يزدرى الدين. وهو اتهامٌ ظالم أصاب فاطمة ناعوت نفسها من بين مَن أصاب، غير أنها كانت إصابةً عابرة خلتْ من أىّ أثرٍ سلبى بعد سنوات من العذاب والاغتيال المعنوى. أما إيثار
الماضى لديها؛ فهو من قبيل العودة إلى حالة الطبيعية، أى عناق الطبيعة، تلك الحالة التى ينعم بها الأطفالُ قبل أن يدخلوا فى دار المحرّمات الثقافية؛ التى شيّدها الكبار. ألم أقل لكم إن فاطمة ناعوت فيلسوفةٌ وطفلة؟). مراد وهبة.. 19 مايو 2018.
هكذا قرأ الفيلسوفُ كتابَ تلميذته، ليترك أثرَه فى قلبى وفى ذاكرة التاريخ. رحم اللهُ أحد أجمل فلاسفة العقل، والصوت الجسور الذى واجه التطرفَ بالفلسفة، لا بالشعارات.



