ما أعلنه وزير العمل المصري بشأن تقسيم إجازات المسيحيين وفق الطوائف ليس قرارًا إداريًا عابرًا ولا يمكن تبريره بحسن النية. هذا القرار يمس جوهر المواطنة ويفتح بابًا بالغ الخطورة للتمييز والانقسام داخل نسيج وطني واحد.
المسيحيون في مصر مواطنون مصريون متحدون في العقيدة المسيحية، يختلفون كنسيًا لكنهم متساوون دستوريًا وقانونيًا. حين تتدخل الدولة لتصنيفهم طائفيًا ومنح بعضهم إجازات وحجبها عن آخرين، فهي لا “تنظم” شؤون العمل، بل تُقنّن التفرقة وتزرع بذور الاستقطاب داخل جماعة واحدة.
الدولة هنا لا تتعامل مع مواطنين متساوين، بل مع “طوائف” بدرجات مختلفة من الاعتراف، وهو منطق يتناقض مع أي مفهوم حديث للدولة المدنية.
2. سابقة قانونية مقلقة
إذا قُبل هذا المنطق اليوم مع المسيحيين، فغدًا قد يُطبّق على فئات أخرى: داخل الدين الواحد، أو بين الأديان، أو حتى بين المواطنين على أسس ثقافية أو فكرية.
3. ضرب الوحدة المجتمعية
بدل أن تكون الدولة مظلة جامعة، تتحول إلى طرف يُعيد تعريف المواطنين وفق تصنيفات ضيقة، ما يُضعف الشعور بالمواطنة ويعزز الإحساس بالإقصاء.
4. رسالة سياسية سلبية
القرار يوحي بأن الدولة مستعدة لاستخدام الملف الديني كأداة إدارة أو ضبط، لا كحق أصيل للمواطنين. وهذا ليس تصرفًا بريئًا بل يحمل دلالات سياسية واجتماعية خطيرة.
السؤال الأوسع: من يُعترف به ومن يُهمّش؟
إذا كانت الحكومة المصرية تعترف بإجازات بعض الطوائف المسيحية وترفض غيرها، فلماذا لا تعترف من الأساس باحتفالات بقية طوائف الشعب المصري مثل الشيعة أو البهائيين أو غيرهم؟
هل المواطنة تُقاس اليوم بمدى القرب من التفسير السني الرسمي للدولة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فأين الدستور الذي ينص على المساواة وعدم التمييز؟
الخلاصة نحن أمام إشارة مقلقة لبداية مسار جديد:
مسار يقوم على تفتيت المجتمع بدل توحيده، وعلى إدارة التنوع بالتمييز لا بالمساواة.
الدولة التي تحترم نفسها لا تُجزّئ مواطنيها، ولا تُصنّف حقوقهم على أساس طائفي، بل تحمي حق الجميع دون استثناء.
هذا القرار يجب مراجعته فورًا، ليس فقط دفاعًا عن المسيحيين، بل دفاعًا عن فكرة مصر نفسها: دولة لكل مواطنيها، لا دولة تُدار بمنطق الطوائف والامتيازات



