القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

وداعا فيلسوف السينما المصرية .. بقلم خالد منتصر

برحيل داوود عبدالسيد رحل فيلسوف ومفكر السينما الذى لم يساوم على فنه، ولم يصنع فيلماً إلا شبهه، وشبه ثقافته، لم يصنع فيلماً ليزيد رصيده فى البنك، ولم يزيِّف وعياً، ولم يتم تدجينه ثقافياً ولا فكرياً، ولا

وداعا فيلسوف السينما المصرية .. بقلم خالد منتصر

بمنصب أو وظيفة. داوود ليس مجرد مخرج أفلام بالمعنى التقليدى، بقدر ما هو مفكّر سينمائى يستخدم الصورة والحكاية كأداة لتشريح الوعى المصرى: وعى الفرد وهو يصطدم بالسلطة، بالخوف، بالوهم، وبالسؤال المزمن عن المعنى.

تبدو أفلامه، للوهلة الأولى، متفرقة زمنياً وموضوعياً، لكن التمعُّن يكشف أنها مشدودة جميعاً بخيط فكرى واحد، خيط المتاهة التى يدخلها الإنسان حين يكتشف أن العالم أعقد

وأقسى مما تخيَّل. الخيط الجامع فى سينما داود عبدالسيد هو الإنسان فى مواجهة منظومة أكبر منه: منظومة قد تكون سلطة سياسية، أو مجتمعاً ضاغطاً، أو قدراً أعمى، أو حتى وهماً

جماعياً يتخفَّى فى صورة معنى زائف، أبطاله فى الغالب أناس عاديون، لا يحملون مشروع بطولة، ولا يملكون وعياً ثورياً مسبقاً، يبدأون حياتهم وهم يظنون أن العالم مفهوم ويمكن

السيطرة عليه، ثم يحدث الصدام: اكتشاف مفاجئ بأن القواعد مختلفة، وبأن الدخول إلى المتاهة أسهل كثيراً من الخروج منها، وحين تنتهى الرحلة، لا يخرجون منتصرين، بل أكثر وعياً وأكثر ألماً.

كان مهموماً بفكرة البحث والضياع الوجودى، فى أرض الخوف نتابع رحلة بطل يدخل عالم الجريمة وهو يظن أنه يراقبه ويسيطر عليه، قبل أن يكتشف تدريجياً أن الشر ليس خارج الإنسان ولا حكراً على

المجرمين، بل جزء من بنية العالم نفسه، يتحول الفيلم إلى سؤال فلسفى عن السلطة والهوية، وعن إمكانية العودة بعد أن يرى الإنسان الحقيقة عارية بلا أقنعة. فى البحث عن سيد مرزوق، فهو فيلم

المتاهة الخالص، شخصية تطارد رجلاً غامضاً، وكل باب تفتحه يقودها إلى باب آخر، فى سلسلة لا تنتهى من الأسئلة، سيد مرزوق هنا ليس شخصاً بقدر ما هو رمز: للسلطة، وللمعنى، وللوهم فى آن واحد.

يقول الفيلم بوضوح إن البحث ذاته قد يكون فخاً، وإن النظام الحقيقى لا يُرى ولا يُمسك، لكنه حاضر فى كل التفاصيل. فى أرض الأحلام تنتقل المتاهة من مستوى فلسفى مجرد إلى مستوى اجتماعى يومى. الفقر، والأحلام الصغيرة، ووهم السفر والنجاة تشكِّل جميعها نسخة شعبية من نفس الضياع، الحلم هنا لا يعمل كخلاص، بل كمخدِّر جماعى يؤجل المواجهة ولا يحلها، ويمنح وهم الأمل بدلاً من تغيير الواقع.

ينتقل داود عبدالسيد بعد ذلك إلى تفكيك العلاقة بين الفرد والسلطة والازدواجية الأخلاقية فى أفلام مثل مواطن ومخبر، العلاقة بين المراقِب والمراقَب لا تُقدََّم بوصفها صراع خير وشر، بل بوصفها علاقة

مركبة يكون فيها الطرفان ضحيتين وجزءاً من الآلة نفسها. على الهامش الإنسانى لهذه العوالم القاسية، تأتى أفلام مثل الكيت كات، حيث الحرية ليست سياسية ولا شعاراتية، بل داخلية، شخصية كفيف يرى ما لا

يراه المبصرون، وحى فقير لكنه ملىء بالحياة، فى احتفاء نادر بالقدرة على الفرح رغم القهر، وفى رسائل البحر تتحول الإسكندرية من مدينة إلى حالة نفسية، فيلم عن الهروب والجسد والعزلة، وعن محاولة فردية

يائسة للنجاة خارج المنظومة، سينما داود عبدالسيد هى سينما السؤال لا الإجابة. لا تقدم حلولاً، ولا تمنح نهايات مريحة، ولا تجامل المتفرج. هى سينما تقول له بوضوح وهدوء قاسٍ: أنت داخل المتاهة، شئت أم أبيت.

خالد منتصر - الوطن
30 ديسمبر 2025 |