القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

هل أنت عُكازٌ.. أم مِرآة؟ .. بقلم فاطمة ناعوت

هل أنت عُكازٌ.. أم مِرآة؟  .. بقلم فاطمة ناعوت
| فاطمة ناعوت - المصرى اليوم
02 ديسمبر 2021
بقلم فاطمة ناعوتهل العقيدةُ هدفٌ فى ذاتِها، أم وسيلةٌ للارتقاء والتهذُّب والتحضُّر والفضيلة؟.. الدينُ وسيلةٌ للترقّى وبناء منظومة الأخلاق؛ فالله غنّىٌّ عن عباده، إنما يريدُ منّا الصلاح والرحمة والجدّ والصدق والنظافة والسموّ والتحضر وإعمال العقل، فجاءت الشرائعُ لبناء جميع ما سبق. دون ما سبق من قيمٍ رفيعة لا قيمة لطقوس دينية نؤديها بأجسادنا، لأن الله غنىٌّ عنّا وعن طقوسنا. ذاك هو الدرسُ الذى علّمه لى فى طفولتى أبى المتصوفُ حاملُ القرآن وهو يشرحُ دلالة الحديث الشريف: مَن لم تَنْهه صلاتُه عن الفحشاءِ والمنكر، فلا صلاةَ له، رغم رفض ابن تيمية له بزعم ضعف سنده!.
والفواحشُ، فى ميزانى الخاص، تبدأ من القسوة على نبتة صغيرة وليس من نحر عنق إنسان. ذاك أن القسوةَ أو الرحمةَ أسلوبُ حياة ونهجٌ دائم، فالذى يقسو اليوم على زهرة، قد يقسو غدًا على طفل. لهذا حُكم علىّ بالسجن لأننى استنكرتُ يومًا تعذيب حيوان قبل نحره وعدم الترفّق به واحترام ألمه لحظة تقديمه قربانًا لله، واللهُ تعالى غنىٌّ عن قرابينَ نقدمها بغلاظة قلب. الدرسُ الذى تعلّمته من أبى المتصوّف الجميل، تأكد لى فى حوار دار بين عالم لاهوت مسيحى برازيلى اسمه ليوناردو بوف، وبين دلاى لاما رقم 14 تنزين جياتسو، الراهب البوذى والقائد الدينىّ الأعلى لبوذية التِّبت، ورأس حكومة المنفى بالهند، منذ احتلال الصين للتبت عام 1959.

وفى هذا المقال أترجمُ الحوار حرفيًّا كما قرأتُه بالإنجليزية. ذاك إن فى قراءته، وحسب، وتأمُّل دلالاته تكمن الفكرة التى أودُّ طرحها، ويكمن الدرسُ الذى أراه يحملُ جوهر جميع الأديان.

يقول بوف: فى نقاش مائدة مستديرة جمعت بينى وبين دلاى لاما حول العقيدة والحرية، سألتُ لاما فى شىء من المكر وكذلك فى اهتمام حقيقى:

- يا قداستك، أىُّ العقائدِ الأفضل؟

وظننتُ أنه سيقول: بوذية التِّبت، أو الديانات الشرقية التى هى أقدم كثيرًا من المسيحية.. لكن الدلاى لاما صمتَ قليلا، ثم ابتسم، ونظر إلىّ فى عينى مباشرة، وهو ما أدهشنى لأننى كنت أعلمُ أن المكر مخبأ فى سؤالى. ثم قال:

- العقيدةُ الأفضلُ هى تلك التى تجعلك أقربَ إلى الله. هى تلك التى تجعلك شخصًا أفضلَ.

ولكى أخرج من حرجى، الذى سببته تلك الإجابةُ الحكيمة، سألته:

- وما هى تلك العقيدة التى تجعلُ الإنسانَ أفضل؟، فأجاب:

- تلك التى تجعلك: أكثرَ رحمةً، أكثرَ حساسيةً، أكثرَ محبةً، أكثر إنسانيةً، أكثر مسؤوليةً، أكثرَ جمالًا. العقيدةُ التى تفعل معك كل هذا تكون هى الأفضل.

كنتُ صامتًا مأخوذًا بأعجوبة تلك الإجابة وحِكمتها التى لا تُدحَض. وأكمل لاما:

- لستُ مهتمًّا يا صديقى بعقيدتك، فهذا شأنُك مع الله، ولستُ مشغولا ما إذا كنتَ متديّنًا أم لا.. الذى يعنينى حقًّا هو سلوكك أمام نفسك، أمام نظرائك، أمام أسرتك، أمام مجتمعك، وأمام العالم. تذكّر أن الكونَ هو صدى أفعالنا وصدى أفكارنا. وأن قانونَ الفعل وردّ الفعل ليس يخصُّ، وفقط، عالم الفيزياء.. بل هو أيضًا قانونٌ يحكم علاقاتنا الإنسانية. إذا ما امتثلتُ للخير سأحصدُ الخيرَ، وإذا ما امتثلتُ للشرّ لن أحصد إلا الشرّ. ما علّمنا إياه أجدادُنا هو الحقيقةُ الصافية: (سوف تجنى دائمًا ما تتمناه للآخرين. فالسعادةُ ليست شيئًا يخصُّ القَدَر والقسمة والنصيب، بل هى اختيارٌ وقرار).

وفى الأخير قال دلاى لاما:

- (انتبه جيدًّا لأفكارك، لأنها سوف تتحول إلى كلمات. وانتبه إلى كلماتك، لأنها سوف تتحولُ إلى أفعال. وانتبه إلى أفعالك لأنها سوف تتحولُ إلى عادات. وانتبه إلى عاداتك لأنها سوف تُكوّنُ شخصيتك. وانتبه جيدًّا إلى شخصيتك لأنها سوف تصنعُ قَدَرك، وقدرُك سوف يصنعُ حياتك كلّها.).

■ ■ ■ ■

انتهى الحوارُ الراقى بين الرجلين، وأقولُ فيه إن المزايدة الإيمانية تدل على فقر عنيف فى الإيمان. ناقصُ الإيمان يُكمل نواقصَه من إيمان الآخر. المقدساتُ أعلى شأنًا وأجلُّ من أن تُزدرى أو تُهان. ارحموا أنفسكم وكفّوا عن محاكمة الناس والتفتيش داخل ضمائرهم. العقائد قوية وصامدة، ليس بالسيف والتصيّد والسجن وقضايا التكفير وملاحقات ازدراء الأديان، إنما بديمومة تحضُّرها وتحضّر معتنقيها ونظافة أرواحهم. كونوا سفراء جيدين لعقائدكم حتى تضمنوا بقاءها، بدلًا من أن تحملوا سيوفًا تدافعون بها عن مقدساتكم كأنها هزيلة تحتاج إلى من يسندها. لا تكونوا عكازات لعقائدكم، بل كونوا مرايا طيبة تعكس نصاعة إيمانكم وطهارة عقائدكم وسموّ أفكاركم.

الدينُ لله.. والوطنُ لمن يتحضَّرُ بالوطن.

twitter:@fatimaNaoot
هل أنت عُكازٌ.. أم مِرآة؟  .. بقلم فاطمة ناعوت
فاطمة ناعوت - المصرى اليوم
| 02 ديسمبر 2021
×