القائمة الأقباط اليوم أبحث
أهم الأخبار

مرضٌ اسمُه التطرُّف! .. بقلم فاطمة ناعوت

مرضٌ اسمُه التطرُّف!  .. بقلم فاطمة ناعوت
| فاطمة ناعوت - المصرى اليوم
16 سبتمبر 2021
بقلم فاطمة ناعوتالتطرّف مرضٌ خبيث يصيبُ المرءَ فيتوهّمُ أن الفضيلةَ تسكنُ بيتَه دون بيوت العالمين، وأن الحقَّ معقودٌ بناصيته دون سواه. مرضٌ قد يضربُ أى عضو فى الجسد؛ فنجده فى كل دين ومذهب وطائفة وناد رياضى ومدرسة أدبية أو فنية. مريضُ التطرف مأسورٌ بـ المظهر، بعيدٌ عن الجوهر. مُقولبٌ مُعلّبٌ جاهزُ التحضير. كريمٌ فى توزيع الاتهامات على مَن حوله.. هذا ملحدٌ وهذا كافرٌ وهذا داعر.. يحمل فى يده صَكًّا يُلوّح به فى وجوهنا، شاهرًا إصبعَ النذير، والشررُ يتطاير من عينيه. نسأله: (ما المكتوبُ فى هذا الصكّ يا عمّ؟) فيقول: (تفويضٌ من السماء بالتفتيش داخل ضمائر الناس؛ ومعاقبتهم!).
من أعراض ذلك المرض أن المريض يسبُّ ويهينُ ويلعنُ أبناء العقائد الأخرى. ينسى أن الإيمان قرينُ الأخلاق، وأن المؤمن لا يكون لعّانًا. ومن أعراضه كراهية القراءة والتعلّم. حاولْ أن تقنعه أن جميع الرسالات والفلسفات تحثُّ على العدل والرحمة ومكارم الأخلاق، ولن يصدقك، مهما قدمت له من كتب تثبت ذلك.

فى صلواتنا الخمس نرددُ عشرات المرات صفاتِ الله تعالى: الرحمن الرحيم؛ علَّ طيفًا من رحمته يمَسّ قلوبَنا، فنَرحم لكى نُرحَمَ. ويقول الإمامُ على بن أبى طالب: احصد الشرَّ من صدر غيرك باقتلاعه من صدرك. ويقول المسيحىُّ فى صلواته: نُصلّى من أجل إخواننا أصحاب الديانات الأخرى، ليحيوا عمقَ إيمانهم، حسبَ قصد الله. نصلّى من أجل كل مَن يمارس العنف باسم الدين، ليكتشفَ عظمة وثراء حبّ الله.

وتدعو الزرادشتية إلى الإيمان بإله واحد متعالٍ هو الخالق الذى لا يُعزَى إليه شكلٌ أو لون أو مظهر، أحدٌ صمَدٌ، لا تحيط به العقول، ولا يحدُّه مكان، العادلُ، الغفورُ، الرحيمُ، الواحدُ، الأحد. ويقول زرادشت فى تعاليمه إن الاعتقاد بالخالق لا يتمُّ إلا بـالعقل الصالح، والخلاص يأتى بتطوير أنبل منازع الإنسان. ويحذِّرُ أتباعَه من روح الشر التى تبعد الإنسانَ عن الرحمن الرحيم. وتقولُ البوذيةُ إن السعادةَ لا تتمُّ إلا بالتخلص من الأنانية حتى نصل إلى حالة نيرڤانا، أى الصفاء الروحى. ومن أجل ذلك يتحتمُ على الإنسان اتّباع السُّبل النبيلة الأربعة: التفكير السليم الخالى من منازع الهوى، الفعل السليم يسلكه الإنسانُ لأجل حياة مستقيمة تتكئُ على العلم والحق، الكلام السليم بقول الصدق دون زور أو كذب، العيش السليم القائمُ على هجر الملذّات الرخيصة.

نيرڤانا هى حالة التيقظ أو الاستنارة التى تُخمد نيرانَ الدوافع المسببة للآلام، وهى: الشهوةُ، الحقدُ، الجهلُ. وهى بدايةُ طريق الخلاص. وتتلخص قواعدُ البوذية فى الكفّ عن آثام خمسة: القتل، أخذ ما ليس لك، الكلام السيئ، السلوكات الحِسيّة المشينة، تعاطى المخدرات. وباتباع تلك التعاليم يمكن القضاء على شرور الإنسان الثلاثة: الشهوانية، الكراهية، الوهم.

وفى حضارتنا المصرية القديمة، يقولُ أجدادُنا العظماء فى كتاب الخروج إلى النهار، الشهير بـكتاب الموتى: إن من شروط الانتقال إلى أبدية العالم الآخر، إقرار المتوفى بعدة اعترافات تؤكد أنه: لم يكذب، لم يسرق، لم يقتل، لم يتسبب فى دموع إنسان، لم يعذِّب حيوانًا أو نباتًا، وإنه كان عينًا للكفيف ويدًا للمشلول وساقًا للكسيح وأبًا لليتيم. ويشهد على صدق اعترافه ميزانٌ يوضع فى إحدى كفتيه قلبُ الميت، الذى يمثّل ضميرَه، وفى الأخرى توضع ريشةُ ماعت التى تمثل الحقَّ والعدلَ والجمال.

ولما سُئل دالاى لاما، زعيم التِبِت الروحى، عن أفضل العقائد، قال: هى تلك التى تجعلك: أكثرَ رحمةً، أكثرَ حساسيةً، أكثرَ محبةً، أكثر إنسانيةً، أكثر مسؤوليةً، أكثرَ جمالًا. العقيدةُ التى تفعل معك كل هذا تكون هى الأفضل.

وهكذا تتوجّه الأديانُ والفلسفات كافةً نحو هدف واحد: الجمال. وتنادى بمبدأ واحد هو: الجوهر، أما المظهر/ الصورة، فشأن مرضى التطرّف السطحيين. ولكلّ إنسان أن يختار، بملء إرادته، الطريقَ التى يسلكها للوصول إلى هذا الجمال، الذى هو الله الرحمن الرحيم.

قضيتُنا فى الوطن هى المواطَنة. العقيدةُ شأنُ الله وحده، أما المواطَنة فشأنى وشأنك وشأنُ كلّ مصرىّ لكى نبنىَ الوطن. هنا نُذكِّرُ مريضَ التطرّف بجَدّ الرسول عليه الصلاة والسلام، عبدالمطلب بن عبد مناف حين ذهب لاسترداد إبله من أبرهة الأشرم هادم الكعبة، الذى قال له: حسبتُك أتيتَ تتشفّع للكعبة. فردّ عليه عبدالمطلب: أنا ربُّ الإبل، أما البيتُ فله ربٌّ يحميه.

شأننا هو الوطن، وللدين ربٌّ يحميه. فإن سألتَ عن عقيدة سواك، فسيردُّ عليك المجتمع كلُّه بنفس ما قاله الرئيسُ عبدالفتاح السيسى: إنت مالك؟! ذاك أن: الدينُ لله.. والوطنُ للمواطنين.

twitter:@fatimaNaoot
مرضٌ اسمُه التطرُّف!  .. بقلم فاطمة ناعوت
فاطمة ناعوت - المصرى اليوم
| 16 سبتمبر 2021
×