الفيلم المشبوه .. و"نبوءة هنتنجتون" .. بقلم نبيل شرف الدين
وتبدو أصابع "أجهزة استخبارات
ما" واضحة خلف الكواليس، لإشعال حرائق في الشرق الأوسط وربما العالم كله،
لتحقيق نبوءة مرعبة بشّر بها قبل 19 عامًا أستاذ العلوم السياسية الشهير
صامويل هنتنجتون الأستاذ بجامعة هارفارد، الذي أثار في 1993 جدلاً واسعاً
بمقاله الذي نشرته مجلة (Foreign Affairs) بعنوان "صراع الحضارات"، عرض فيه
رؤيته عن الصراعات الدولية الجديدة ما بعد الحرب الباردة، متوقعًا أنها
ستكون أكثر عنفًا، لأنها ستشتعل على أسس ثقافية، مشيراً إلى أن الحضارة
الغربية ستجد نفسها في مواجهة لا مفر منها مع الحضارتين الإسلامية
والصينية، بدلاً من الأسس الأيديولوجية التي كانت جوهر الصراع خلال الحرب
الباردة بين الشيوعية والرأسمالية.
في هذا المقال الذي أثار أكبر
عدد من التعليقات والحوارات منذ أربعينيات القرن الماضي وفقا لما رصدته
المجلة الأميركية الرصينة، خلص هنتنجتون إلى "أن فهم طبيعة الصراع في
الحاضر والمستقبل، يجعل الخلافات الثقافية والعقدية أساسًا للصراعات
الدولية"، وركز هنتنجتون على ما وصفه بالتحديات التي تواجه الحضارة
الغربية حيال الحضارة الإسلامية، على حد زعمه.
وبعد هجمات 11 سبتمبر 2001
كتب هنتنجتون مقالا آخر في العدد السنوي لمجلة (Newsweek) تحديدا في
ديسمبر 2001 بعنوان "عصر حروب المسلمين" مكررا رؤيته التي سبق أن طرحها في
كتابه ومفسرا لأبعاد هذه الحروب، بما يعني أن نظريته قد تحققت، وأن حروب
المسلمين ستشكل الملمح الرئيسي للقرن الحادي والعشرين.
كثيرون في الغرب ـ وليس في
الشرق ـ انتقدوا (نبوءة هنتنجتون)، ووصفوا حديثه عن صراع الحضارات بأنه
"الأساس النظري لتبرير عدوان الغرب بقيادة الولايات المتحدة على الصين
والعالم الإسلامي"، إلا أن هنتنجتون أكد أن هذا التغيير في البنية السياسة
الجغرافية يحتم على الغرب تقوية نفسه داخلياً، والتخلي عن عالمية
الديمقراطية والتدخل المُلِح لفرضها في شتى أنحاء العالم، لأنها تصطدم لا
محالة بثقافة هذه الشعوب" (يقصد الإسلامية والصينية) .
إيران وإسرائيل
لا يجادل عاقل ـ من المسيحيين
قبل المسلمين ـ بأن ذلك "الفيلم المشبوه" الذي يسيئ لرسول الإسلام هو عمل
مستهجن وقبيح ولا يمكن تبريره حتى بمزاعم "حرية التعبير"، لأنه يجرح
مشاعر أكثر من مليار مسلم في شتى أنحاء العالم، وأنه يفتح أبواب الجحيم،
وهاهي فتحت على مصراعيها، واستغلها المتعصبون هنا وهناك لإشعال فتنة كبرى
ربما تقود ـ لو لم نتوقف مع أنفسنا بعقل وحكمة ـ إلى مواجهة كونية بين
"شرق إسلامي أصولي"، سمه كما شئت، و"غرب مسيحي صليبي"، سمه أيضًا كما يحلو
لك، خاصة بعد التحولات الهائلة في المنطقة، وما صاحبها من صعود لجماعات
الإسلام السياسي لسدة الحكم في أكثر من دولة، فكل نظام شمولي ينهار، يحل
محله آخر ديني بدرجات متفاوتة، وهو ما حدث في تونس وليبيا ومصر، ومرشح
للتحقق في سوريا وغيرها.
في الأيام الأولى للثورة
المصرية تحدث وزير خارجية إيران عما أسماه "الهلال الإسلامي"، في إشارة
منه إلى أن الشرق الأوسط الجديد بعد الثورات، سيتحول في النهاية إلى (كتلة
سياسية إسلامية) والغريب في الأمر أن أيًا من المسئولين العرب لم يشارك
الوزير الإيراني الرأي، بل اقتصر تأييده على وزير إسرائيلي هو: "آفي
ديختر"، وزير حماية الجبهة الداخلية الإسرائيلي، الذي قال لصحيفة
"جيروزاليم بوست" إن الشرق الأوسط في طريقه لأن يصبح كتلة إسلامية تديرها
جماعة "الإخوان المسلمين"، وأضاف في خطاب ألقاه أمام القمة العالمية التي
عقدها المعهد الدولي لمكافحة الإرهاب أن "العالم العربي والدول المجاورة
لإسرائيل بشكل خاص، بدأت رحلة طويلة ستنتهي بأن يكون الشرق الأوسط كتلة
تديرها جماعة الإخوان المسلمين، وربما كتلة إسلامية واحدة"، وهنا ينبغي أن
نتساءل: هل التطابق في الرؤى بين الوزيرين الإيراني والإسرائيلي "مجرد
مصادفة" أم أن هناك خلف الكواليس ما لا نعرفه خاصة في ظل تفجير قنبلة
الفيلم التافه المستهجن، المسيء لنبي الإسلام صلوات الله عليه وسلامه؟.
لحظة حكمة
باختصار علينا ـ كمسلمين ـ أن
نكون أكثر حكمة في هذه اللحظات الفارقة من تاريخ أمتنا والمنطقة، ولعلي
لا أبالغ إذا قلت والعالم بأسره، فلا ننجرف خلف كل ناعق، لنجد أنفسنا في
نهاية المطاف مجرد "أدوات" في إشعال الحرائق والحروب العالمية، التي لن
تستفيد منها أمتنا، لأنها ستفضي لخراب شامل، وبالتأكيد إعادة ترسيم خرائط
المنطقة، وتحقق نبوءة هنتنجتون المرعبة بعد رحيله، خاصة في كتابيه: "صدام
الحضارات: إعادة صنع النظام العالمي"، الصادر عام 1996، وكتابه " من نحن؟:
التحديات للهوية القومية الأميركية" الصادر في عام 2004.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن
هذين الكتابين ومقالاته الأخرى يرى هنتنجتون أن السياسة الدولية المعاصرة
تتمثل في عصر حروب المسلمين، فالمسلمون ـ برأيه ـ يحاربون بعضهم البعض،
كما يحاربون غير المسلمين بمعدل أكثر بكثير من كل الحضارات الأخرى وأن
حروب المسلمين احتلت مكانة الحرب الباردة كشكل أساسي للصراع الدولي، وهذه
الحروب تتضمن ما وصفه بالإرهاب الدولي والحروب الأهلية، والصراعات بين
المذاهب الإسلامية وقد يتخذ هذا العنف أبعادا تصل بها إلى صراع رئيسي وحيد
بين الإسلام والغرب أو بين الإسلام وباقي العالم"، حسب قوله
وفي هذا المقام أؤكد لهؤلاء
الذين يمكن أن تأخذهم الغيرة والحماسة إلى حد الشطط، أقول لنا في كتاب
الله تعالى وسنّة نبيه الكريم قدوة حسنة، ففي تأويل قوله تعالى في سورة
الحجر: (إنا كفيناك المستهزئين) الآية 95، يقول تعالى لنبيه الكريم: إنا
كفيناك المستهزئين يا محمد، الذين يستهزئون بك ويسخرون منك، فأصدع بأمر
الله، فإنه كافيك من ناصبك وآذاك كما كفاك المستهزئين.
كما أذكركم ـ والذكرى تنفع
المؤمنين ـ بقوله تعالى: (يا أيها الناس إنّا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى،
وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا.. الآية)، (الحجرات 3)، وهو ما يعني بحسب
كبار الفقهاء والمفسرين أن نداء الإسلام في الأسرة الدولية يقوم على
مبادئ التعاون والتفاهم والحق والعدل، وكما هو واضح أن الأمر الرباني في
الآية للناس كافة.
وأخيرًا دعونا نعترف بكل
شجاعة ولا نكابر أننا كمسلمين مسئولون، بدرجة أو أخرى، عما يردده بعض
المفكرين الغربيين في ديننا، فتصرفات بعض المُغالين تضع ذريعة لشيطنة
الإسلام، المستمد لغة وعقيدة من السلام، وهاهو المفكر المعروف برنارد لويس
يقول: "إن الإسلام هو الحضارة الوحيدة التي جعلت بقاء الغرب موضع شك،
وفعل ذلك مرتين على الأقل ـ كما يقول ـ لنحو ألف سنة منذ دخول العرب
أسبانيا، وحتى الحصار التركي لفيينا، كانت أوروبا تحت تهديد مستمر من
الحضارة الإسلامية"، كما يزعم برنارد لويس، وأذكركم هنا بالقاعدة القائلة
"إن ناقل الكفر ليس بكافر".
الخطاب القطبي
وفي هذا السياق يقول الباحث
المعروف فؤاد عجمي "إن الأمر بالنسبة للغرب كانت الدولة الوطنية هي قمة
الولاء السياسي، أما بنية الولاء في العالم الإسلامي على العكس من ذلك
بالضبط، ففكرة سيادة الدولة القومية لا تتطابق مع "الحاكمية"، لأن فكرة
القومية والوطن تتنافى مع فكرة "الحاكمية"، والتفسيرات المغالية لقاعدة
"الولاء والبراء"، ويفترض مفهوم الأمة عدم شرعية الدولة القومية، على حد
تعبير عجمي، الذي يبدو أنه استمد رؤيته من كتابات سيد قطب، خاصة في كتابه
المثير للجدل "معالم على الطريق".
وفي هذا الكتاب الذي استهجن
كثيرًا مما ورد فيه فقهاء كبار، أسس سيد قطب نظرية تمثلت في مقولات
الجاهلية والحاكمية ودار الحرب، ويقول: "وحين يبلغ المؤمنون بهذه العقيدة
ثلاثة نفر، فإن هذه العقيدة ذاتها تقول لهم: أنتم الآن مجتمع إسلامي
مستقل، منفصل عن المجتمع الجاهلي وهنا يكون المجتمع الإسلامي قد وجد
فعلا،" إذن فالإطار العام للعمل الحركي عند قطب هو التجمع من أجل
المواجهة، وهنا يمكن ملاحظة مرحلتين أساسيتين هما: مرحلة التكوين أو
الحضانة، ومرحلة التحرك لإقامة الدولة، أو بمعنى آخر مرحلة الإعداد ومرحلة
المواجهة".
وهنا يثور سؤال عما إذا كانت
الحركات الإسلامية مثل "الإخوان"، التي يقودها رجال رضعوا كثيرًا أفكار
سيد قطب يفكرون بالفعل في الدخول لمرحلة المواجهة مع العالم، مع الأخذ
بالاعتبار أن كافة الحركات والجماعات الإسلامية الاستبعادية المتشددة في
العالم، وخاصة في مصر، تأثرت بالخطاب القطبي، لاسيما بمفهوم جاهلية
العالم، إذ يرى أن كل المجتمعات في العالم ـ شرقه وغربه ـ "مجتمعات
جاهلية" وعليه فإن ذلك يتمثل في سبب واحد هو غياب "الحاكمية" وبالتالي
يقول قطب إنها "دار حرب"، وعموما فقصة قطب مجرد نموذج لخطاب عدواني نحن في
غنى عنه، خاصة أن المسلمين ليسو مضطرين لقتال الأمم الأخرى، ولا يستطيعون
ذلك وفق حسابات القوى العسكرية، وبالتالي فالمهم الآن هو بناء دولة
القانون والمؤسسات، تلك التي يكون "العدل والكفاية" عنوانها، وليس الحرب
والاستعلاء بالإيمان والجاهلية وغيرها من المصطلحات التي أطلقها سيد قطب،
الذي لم يزل هناك ـ للأسف ـ من يراه "ملهمًا" له.
على أية حال.. فإن مسألة
استهجان ذلك الفيلم المشبوه محسومة ولا تحتمل التمييع، لكن في الوقت ذاته
فإننا لا نريد أن تسود مفاهيم مغالية للإسلام تجعل أتباعه يصطدمون بالعالم
وبقية خلق الله، فالتنوع سّنةُ من سنّن الله في خلقه، ولو شاء ربك لجعلها
أمةً واحدة، لهذا علينا أن نسعى إلى بلورة "صيغة متصالحة" فيما بيننا
أولا (شيعة، سنّة، متصوفة.. الخ)، ثم مع العالم، هذا إن أردنا أن تكون لنا
مكانة بين الأمم.
أما الاستعداء أو الانسياق
والاستدراج لمصادمات نحن في غنى عنها فلن تفيد أحدًا، لكنها سترسخ فكرة
"شيطنة الإسلام"، لهذا أرجوكم، وأتوسل إلى الله تعالى أن يحفظ أمة الإسلام
بعدم الغلو والتعصب، حتى لا تتحقق "نبوءة هنتنجتون"، وهو رجل لم يكن ـ
رغم الاختلاف مع أفكاره والتحفظ عليها ـ قليل الشأن، فقد ظل 58 عاما يدرس
العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة هارفارد، وكتب وشارك في تأليف
17 كتابا و90 مقالا علميًا، ورغم علمه الغزير لم تأت شهرته إلا من كتابه
"صدام الحضارات" الذي ترجم إلى كل لغات العالم تقريبًا.. والكرة الآن في
ملعب العقلاء من المسلمين وغيرهم، وأذكركم بحديث رسول الله صلى الله عليه
وسلم القائل: "إن هذا الدين متين فأوغلوا فيه برفق، ولا تحملوا على أنفسكم
ما لا تطيقونه".
والله المستعان
Nabil@elaph.com
في
قلب الصخب المستعر حول فيلم مسيء لرسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم)،
والذي بلغت ردود الفعل حول نشره عبر الإنترنت في هذا التوقيت ذروتها
باغتيال السفير الأميركي في ليبيا، والمظاهرات الغاضبة حول السفارة
الأميركية بالقاهرة، تصبح فضيلة التعقل والتروي فرض عين على كل مسلم، لأن
الانسياق وراء العنف هو الهدف المقصود من إجراء (دوبلاج) لذلك الفيلم
التافه المسيء للرسول محمد (ص) ، والذي تشير ملابسات إعادة نشره الآن على
نحو واسع إلى أيادٍ خفية،
الازمة